مشهد يتكرر كل يوم، ومنذ سنوات طويلة: طفل صغير في بدايات سن التعليم، ضئيل الجسد، ضعيف البنية، يحمل حقيبة مدرسية، يكاد وزنها يزيد عن وزنه، يحاول سحبها فتنكسر العجلات تحت وطأة وزنها، يحملها فوق ظهره، فينثني ظهره حتى يبدو كما لو كان في وضع السجود.
وعلى الرغم من الحديث عن خطورة وزن الحقيبة على سلامة العمود الفقري للطفل، ورغم الوعود التي أفرطت وزارة التربية والتعليم في إطلاقها، عن تحديث التعليم، والاستغناء عن الحقيبة ذات الوزن الثقيل، بالحواسيب المحمولة، إلا أن المشكلة لا تزال بمنأى عن الحل.
ومازال الأبناء يتكبدون الأشغال الشاقة المدرسية، الناجمة عن اضطرارهم لحمل هذه الحقيبة التي تنتمي إلى عصور بائدة، سواء من حيث حجمها أو من حيث وزنها. يقول الدكتور دومنيك فان رئيس قسم جراحة الأعصاب والعمود الفقري بمدينة الشيخ خليفة الطبية:
مؤخراً أخذت الأوساط الطبية العالمية تهتم بالتأثيرات السلبية للوزن الزائد للحقيبة المنزلية، على صحة وسلامة العمود الفقري للأطفال، وهذه المشكلة لا تقتصر على دولة الإمارات فقط، فقد أظهرت دراسة في كاليفورنيا بالولايات المتحدة، أن تلاميذ المدارس يحملون حقائب يصل وزنها في بعض الحالات إلى ما يعادل 22% من أوزانهم، وهناك دراسة مماثلة أجريت في إيطاليا وكشفت أن وزن حقيبة المدرسة يصل إلى ما يزيد عن 30% من وزن الطفل.
أما في الإمارات، فعلى الرغم من عدم وجود دراسة حول الأمر، إلا أن المؤشرات العامة، تؤكد وجود هذه المشكلة ذات الانعكاسات السلبية على صحة وسلامة العمود الفقري.
البحث عن حلول
ويقول الدكتور تيسير الزلباني استشاري جراحة العظام في مستشفى النور: مع بداية كل عام دراسي يعود الحديث عن مخاطر الوزن الزائد للحقائب المدرسية، غير أنه وفيما اهتمت بعض الدول المتقدمة، بوضع حلول للمشكلة، مازال الأمر في كافة البلدان العربية يؤخذ بغير جدية، هذا على الرغم من أن هناك دراسة أمريكية حديثة تؤكد أن الإصابات الناجمة عن زيادة الضغط على فقرات العمود الفقري، قد تضاعفت خلال الخمس سنوات الماضية.
ويضيف: نظراً لأن العمود الفقري عند الأطفال يكون في طور النمو، فإن حمل الحقائب الثقيلة، يؤدي بالضرورة إلى آلام مزمنة ومشكلات طويلة الأمد على امتداد الفقرات من الرقبة إلى أسفل الظهر، هذا بالإضافة إلى التشوهات التي قد تصيب العمود الفقري.
آفة تربوية
ومن جانبها تقول فاطمة الشامسي، مدير منطقة الشارقة التعليمية: إن الاعتراف بالحق يقتضي أن نقر بأن مشكلة الوزن الزائد للحقيبة المدرسية، تعد واحدة من الآفات التي يجب على نظامنا التربوي أن يعمل على التخلص منها، وما من شك في أن رؤية فلذات الأكباد وهم يرزحون تحت وطأة الوزن الزائد للحقائب، يعد مشهداً مؤلماً يتنافى مع طبيعتهم الرقيقة.
وتضيف: إن منطقة الشارقة سبق أن ناقشت مع مسؤولي وزارة التربية فكرة اعتماد نظام الكتاب الإلكتروني، وقد أبدت الوزارة اهتماماً كبيراً بالفكرة، غير أنه رغم ذلك، هناك بعض الأمور الواجب الوقوف عليها قبل تنفيذها، حيث ينبغي أولاً التأكد من أن بوسع كل طالب أن يمتلك حاسوباً شخصياً، وأن يكون لديه اشتراك في خدمة الإنترنت في بيته. هذا بالإضافة إلى المعوقات التي تتصل بثقافة المعلم وولي الأمر.
وتضيف: إن منطقة الشارقة التعليمية، تضع على رأس أولوياتها خلال العام الدراسي الجاري، تنفيذ مشروعين يتعلقان بالحقيبة المدرسية، وبتغذية التلاميذ، وهناك في هذا الصدد خطة لعمل مجموعة من المحاضرات واللقاءات المفتوحة مع أولياء الأمور والمدرسات، من أجل تغيير بعض المفاهيم السلبية، موضحةً أن بعض أولياء الأمور يرفضون ألا يتم إلزام أطفالهم بواجبات مدرسية، فيما مازالت بعض المعلمات يطالبن التلاميذ بحمل كل كتبهم ودفاترهم يومياً.
توصيات للحد من أضرار الحقيبة المدرسية
مع التطور الكبير الذي شهدته صناعة الحاسبات الآلية، ومع انتشار أجهزة ذاكرة البيانات مرتفعة السعة، كانت هناك آمال معقودة على أن ينتهي مشهد اضطرار طفل صغير إلى معاناة حمل الحقائب المدرسية، وكانت هناك توقعات بأن الطفل سيذهب إلى المدرسة، وبين يديه حقيبة صغيرة تحتوي على حاسوب محمول وطعامه، غير أن هذا الأمر لم يتحقق سواءً في البلدان المتقدمة أو النامية.
ويقدم الدكتور دومنيك فان رئيس قسم جراحة الأعصاب في مدينة الشيخ خليفة الطبية مجموعة من التوصيات للحد من المشكلة وهي: يجب على الجهات المسؤولة عن التعليم في الدولة، أن تتخذ اللازم لكي لا يتراوح وزن الحقيبة المدرسية، بين 10 إلى 15% من وزن الطفل.
وتعويد الأطفال في حال كانوا يحملون الحقيبة على ظهورهم، أن يحملوها باستخدام الكتفين، لا باستخدام كتف واحد، استبدال حقيبة الظهر بالحقيبة ذات العلاج التي يجرها الطفل بدلاً من أن يحملها، وعمل خزائن في المدارس بحيث يترك التلاميذ فيها الكتب التي لا حاجة لهم بها في منازلهم، وسرعة التوجه إلى استشارة الطبيب في حال شكا الطفل من آلام في فقرات العنق أو العمود الفقري، وذلك لتشخيص الحالة مبكراً ومن ثم علاجها.
نظام الفصول الثلاث يخفف أوزان الحقائب
أكدت فاطمة الشامسي مدير المنطقة التعليمية في الشارقة أن تطبيق نظام الثلاث فصول خلال العام الجاري، قد ساهم إلى حد كبير في تخفيف وزن الحقائب، غير أن الأمر لم يصل بعد لما هو منشود، وهناك مجموعة من التعليمات التي وجهتها المنطقة التعليمية لإدارات المدارس، حتى يتم معالجة هذه المشكلة، ومن أبرزها:
إتباع الأساليب الحديثة في التعليم وخصوصا في مدارس الحلقة الأولى، بحيث لا يضطر التلميذ إلى حمل الكتب التطبيقية معه في الذهاب إلى المدرسة والإياب، كما وجهت المنطقة مدارس الحلقة الأولى، بعدم الضغط على التلاميذ بالواجبات المدرسية، وأن ينتهي الطالب من 90% من الواجبات والتدريبات أثناء الدوام المدرسي، واهتمت المنطقة بأن تعي معلمات الحلقة الأولى ضرورة أن يترك التلاميذ الكتب التطبيقية والعملية في المدرسة.
وقالت: إن تغيير المفاهيم المتوارثة والراسخة لا يمكن أن يتحقق بين ليلة وضحاها، فالأمر في حاجة إلى مجهودات متواصلة وتراكمية، لهدم الأفكار السائدة والمغلوطة، في أذهان أولياء الأمور والمعلمين، ومن ثم بناء منظومة أفكار حديثة قادرة على التوافق مع متطلبات الحاضر والمستقبل.
الوزن الزائد يهييء لمشكلة الحدب
كشف بحث للأكاديمية الأميركية للطب البدني وإعادة التأهيل الصحي أن التلاميذ الذين يحملون حقائب تحتوي على أوزان تشكل 25 في المئة من أوزانهم تظهر عليهم مشكلات أثناء أدائهم أعمالهم العادية والطبيعية مثل صعود السلالم أو حتى فتح الباب .
وهو ما يضاعف احتمالات ترنحه وسقوطه على الأرض، وعلى العكس فإن الأطفال الذين يحملون أوزاناً تقدر بما لا يزيد 15 في المائة من وزنهم يحافظون على توازنهم ويؤدون أعمالهم الطبيعية باعتدال.
ولاحظت الدراسات الرصينة والتي يمكن الاطمئنان إلى نتائجها، أن الوزن الزائد للحقائب يؤدي إلى تعرض الأطفال إلى انحناء العمود الفقري، واعوجاجه سواء إلى الأمام، وهو ما يسمى بالحدب، أو إلى اليمين أو اليسار.
كما تؤكد الدراسات أن وزن الحقيبة يؤدي إلى إصابة الأطفال والمراهقين بآلام الظهر، خاصةً بالنسبة للحالات التي تفضل حمل الحقيبة على الظهر، هذا فضلاً عن مشكلات تآكل الفقرات وآلام الرقبة، وهي مشكلات تؤثر سلبياً على الطفل، سواء على المدى القصير من خلال انخفاض قدرته على الاستيعاب، وعلى المدى البعيد نتيجة تعرضه في عمر مبكر للأمراض المرتبطة بالعمود الفقري.
أبوظبي- محمد مصطفى موسى
