ماذا يعني أن يشهد المرء انحدار أو انهيار منهج أو بنية ما، ويدرك في الوقت نفسه أنه يعتاش منها؟ سؤال يطرحه الفنان الألماني رالف زيرفوغيل في معرضه (الانحدار)، الذي افتتح مساء أول من أمس في غاليري (كاربون 12) بمنطقة القوز، والذي يستمر حتى 20 نوفمبر المقبل.

يتفرع من هذا السؤال، مجموعة من التساؤلات الخاصة في ذهن الزائر خلال جولته في المعرض الذي ضم 17 عملاً، والتي تبدأ بدهشته أمام الرسومات المصورة لعوالم تجريدية حيناً، ومغرقة في الواقعية حيناً آخر، مألوفة تارة، وتغريبية تارة أخرى، لتتأرجح بين البعد السطحي لجماليات الفن، والبعد الآخر للعالم الواقعي، مثل لوحتين ضخمتين له، احتلت كل منهما مساحة جدار بأكمله.

تبدو كلتا اللوحتين المكونتين من مجموعة مربعات إما متقاربة أو متباعدة بالأسود والأبيض، كعمل فني يعتمد على مفهوم فن الديكور الجمالي، استخدم فيهما وحدة زخرفية مكررة لشكل بيضوي، كورقة من زهرة (المارغريت) الموشاة بمجموعة من النقاط أو الخطوط الدقيقة المتقاربة والمتباعدة. غير أن الاقتراب منها يدفع المشاهد إلى رؤية جديدة، فهو أمام خلية تحيط بها مجموعة من الإبر أو البعوض.

وفي المجموعة الثانية التي تضم أربع لوحات في إطار الفن التجريدي، يقف المرء أمام قوس من زخارف الخطوط التي تبدو كأنها تاج يكلل رأسه. والتمعن في كل لوحة يحيل المشاهد إلى بعد آخر، ليرى أصداء انفجارات على مدار القوس، ولتأخذ تلك الأصداء الهادئة أبعاداً مختلفة تأخذ في التلاشي مع مضي الزمن.

أما لوحاته الثمانية بحجم رسومات كتاب من القطع المتوسط والمحولة على أرفف خاصة بها، فتحمل المشاهد إلى بعد مختلف كلياً، بين تشظي جسد الإنسان في انفجارات الحروب، أو اختراق الآخرين له، أو تدمير نفسه بنفسه، مما يعيد المشاهد إلى عالم ملهاة دانتي والجحيم الذي صوره، إنما برؤيا معاصرة.

ولا يملك المرء أمام تلك الرسومات المتناهية في دقة تفاصيلها الواقعية، إلا أن يتساءل: كيف يمكن أن يكون لها ذلك التأثير القوي في نفس المشاهد، التأثير الذي يجمع بين الخوف والرهبة من قسوة ووحشية العالم والإنسان، في إطار حيادي أقرب إلى فن الكاريكاتور الساخر؟.

هذه الدهشة تنسحب أيضا في إطار مهارة الفنان وقدرته التخيلية التي تجمع بين الفعل وردة الفعل، وبين معادلة الشكل والمضمون التي تجسد الواقع، وبين عفوية وتلقائية الرسم والسيطرة على التكوين وتطويعه في يد زيروغيل.

تزداد تلك المفارقات بعد لقاء الفنان الشاب الذي لا يتجاوز عمر الثلاثين عاماً والذي قال عن خلفيته الفنية: «كنت في طفولتي أبحث عن التميز في إطار الرياضة والموسيقى، ولكن في الحالتين قالوا إنني لست مؤهلا لهما، مما دفعني في عالم يكرس البطولة والشهرة والتميز في أعمار مبكرة، إلى البحث عن مكان لي.

كنت في المراحل الأولى ومن خلال حبي للسباحة والرياضة، أعي بعقلي دور الجسد، وحركته التي كنت على مدى السنوات أرسمها باستمرار، ومع مضي الزمن اكتسبت المهارة.

أما مفصل التحول فكان عندما كنت في الرابعة والعشرين من عمري، خلال دراستي الجامعية للفلسفة وفن التصميم والأعمال في هامبورغ. كنت على يقين في تلك المرحلة أني تجاوزت مرحلة الإبداع، حتى قرأت بالمصادفة عن حياة الفنان الأميركي أندي وارهول، وفوجئت أن إبداعه الفني تجلى وهو في الأربعين. هذا الاكتشاف دفعني إلى الإيمان بموهبتي واختيار طريقي».

دبي ـ رشا المالح

--+++++++++++++++++++++++++++18132642711537

Content-Disposition: form-data; name="template"

FullStyle3