طالب المتحدثون خلال الندوة الفكرية التي اقيمت مساء امس الاول ضمن فعاليات الدورة الرابعة لمهرجان دبي لمسرح الشباب، بضرورة ان يسعى جيل المسرحيين الجدد الى مزيد من المعرفة والقراءة والاطلاع على تجارب السابقين والتجارب الجديدة، وضرورة فهم العملية المسرحية باعتبارها تسير في خطين متوازيين؛ خط الموهبة، وخط صقل هذه الموهبة، عبر تكريس جانب من انشغالاتهم بالبحث النظري.
وكان المنتدون قد انكروا على المخرجين والشباب المشاركين في الدورة الرابعة للمهرجان غيابهم عن جلسات الندوة الفكرية التي تناولت محاورها قضايا تهم مسرح الشباب ومستقبله.
وكانت الندوة قد اشتملت على ست اوراق عمل، تناولت ثلاثة محاور تتعلق بواقع ومستقبل مسرح الشباب، تمحورت حول قضايا المرأة وشراكتها الفعلية في المسرح، واستخدام التقنيات الحديثة في مسرح الشباب وتقنية الكتابة.
جلستا المحور الاول أدراهما الزميل جمال آدم، الذي اشار الى ضرورة حضور الشباب لهذه الجلسات لأنها موجهة اليهم في الاصل، وتساءل في اطار محور الجلسة عن الدور الذي لعبته وتلعبه المرأة وقضاياها في المسرح الاماراتي عموما وفي مسرح الشباب خصوصا، مستعرضاً عطاءات المرأة خلال الدورات الثلاث للمهرجان.
قضايا المرأة
وفي ورقته التي تناول فيها تعاطي المسرحيين الشباب مع قضايا المرأة، قال الباحث والمسرحي محمد سيد احمد: ان قضايا المرأة في المسرح الاماراتي عموما لم تنطلق من صوت المرأة الخاص، ولم يأخذها منفردة، بل دائما ما جاء حضورها في اطار الزوجة والاخت والأم، ونادرا ما كان يأتي صوت المرأة منفردا يعبر عن مكنوناتها ونبرتها الداخلية، وأشار الى ان مشاركة المرأة في المسرح الاماراتي تبدو واضحة في مجال الاداء والتمثيل.
وفي الكتابة والاخراج تبدو المشاركة ضعيفة، وكذلك الامر بالنسبة لمهرجان الشباب، ولكن بشيء من التفاؤل على اعتبار الدورات السابقة للمهرجان قد كشفت عن محاولات نسائية شبابية في مجالات الاخراج والكتابة، وهذا يبشر بالخير. كما طالب محمد سيد احمد في ورقته بضرورة تكثيف الدورات والورش ودعوة الشباب والشابات إليها.
التقنية الحديثة في المسرح
في اطار محور التقنيات المسرحية والذي أداره المسرحي محمد غباشي، تحدث عمر غباش عن تطور استخدام التقنية عبر تاريخ المسرح، مشيرا الى ان المسرح في السنوات الخمسين الاخيرة شهد تطورا كبيرا في مجال التقنية، سواء على مستوى السينوغرافيا والمؤثرات الموسيقية، او الاضاءة وتقنيات الصوت والازياء، وكذلك على مستوى الكتابة والرؤى الاخراجية وتقنيات اداء الممثل، وكذلك النقد الفني المواكب للابداع المسرحي.
وأضاف غباش: ان هذا التطور لم ينشأ بالمصادفة، ولكنه واكب تطور المسرح عبر الزمن ومنذ عهد اليونانيين، وجاءت هذه التقنية على يد المخرجين المبدعين من رواد المسرح الحديث في بدايات القرن العشرين حينما اهتموا بتطوير الجانب التقني وفتحوا مجالات الابداع في الفضاء المسرحي. وفي ما يخص المسرح في الامارات، قال غباش:
ان الساحة المسرحية في الامارات لم تجد الفرصة المواتية حتى الآن لاستخدام كل التقنيات الحديثة في مجال المسرح، وذلك لانعدام وجود معاهد اكاديمية تدرس التقنيات، ولضآلة وجود الدورات التدريبية، ولضعف الوعي بأهمية التقنية، وأغلب ما نشاهده في مسرحنا هو مجرد اجتهادات شخصية ومحاولات هنا وهناك.
اما الاعلامي والقاص نواف يونس، فقد تناولت ورقته رؤى المخرجين الاماراتيين الاوائل من امثال عبدالله المناعي ومحمد العامري وابراهيم سالم في معالجاتهم الاخراجية والتقنية للنصوص المسرحية التي تناولوها، ضاربا امثلة بمسرحية (شمس النهار)، و(اللوال ولا هواء)، ومطالبا جيل الشباب من المسرحيين بضرورة العودة الى تلك الاعمال ومحاولة تفكيك أساليبها للتعرف إليها.
الكتابة المسرحية والألفية الثالثة
في اطار محور الكتابة في مسرح الشباب، تحدث الأديب عبدالإله عبد القادر مؤكدا ان هناك صعوبة ماثلة امام النص المسرحي العربي الحديث، لا امام المسرح المحلي في الامارات، وقال:
هذه الصعوبة تتحدد في امكانية تجديد المسرح برمته بما يتناسب والألفية الثالثة. وأضاف: لقد سبقنا الكتاب الغربيون في انتهاج تحديث النص، خاصة حينما خلخلوا الموروث المسرحي وأسسوا عليه البديل المسرحي الموضوعي في اطار الشروط الحضارية التي عاشتها المجتمعات الاوروبية تحديدا، ضمن التحولات الجدلية التي مرت بها المكونات الادبية والفنية، وكلاهما شرطان اساسيان في النص المسرحي.
من جانبه، قال الدكتور هيثم الخواجة في تناوله لواقع الكتابة الشبابية في مسرح الامارات، انه واقع واعد، والدليل على ذلك، هذه المواهب الشابة المبدعة الجديدة المتجددة التي تشارك في مهرجان دبي لمسرح الشباب، هذا المهرجان الذي شكل تظاهرة نوعية لحث خطى المسرح نحو التطور، فهذا المهرجان لا يعطي انطباعا بوجود المسرح فقط، وإنما يقدم معاني مهمة لتجدد مسرحي، ويمنح قناعة حقيقية برسوخ الهوية والنظرة الواعية للحاضر والماضي، عبر رؤية حداثية لا تتخلى عن القيم، وإنما تدافع عنها لكونها داعمة للإنسان.
وقد اشاعت الاوراق الست المقدمة للندوة الفكرية حديثا واسعا حول ضرورة استيعاب الشباب لعملية الفعل المسرحي، وضرورة المضي به إلى الامام في ظل معطيات الزمن وتطور الفن المسرحي العالمي، مؤكدين على ان مهرجان دبي لمسرح الشباب والجهة الراعية والداعمة له يوفران منصة مناسبة لهذا الطموح.
«المنفردة» سددت سهامها إلى واقع العرب
في بادرة من ادارة مهرجان دبي لمسرح الشباب، تمت دعوة العرض السوري (المنفردة) الذي قدمته فرقة «الخريف» المستقلة التي اسسها الممثلان نوار بلبل ورامز الاسود في العام 2006، وهذه الفرقة تعتمد في اعمالها على ورشة الممثلين البطلين وهما يبحثان عن صيغ مسرح مختلف، يمزج بين البحث في الاداء واسلوبية الطرح وبيئة الفرجة..
وقدمت الفرقة عرضها مساء امس الاول على مسرح ندوة الثقافة والعلوم بدبي امام جمهور مهرجان دبي لمسرح الشباب.. ومن المعروف ان عرض (المنفردة) قد حقق عدة جوائز للفرقة، داخل سوريا وخارجها، كما قدمت لها عدة عروض في بلدان عربية وأجنبية.
ينسج عرض (المنفردة) على ثنائية السجان والضحية، اللذين يقبعان في سجن كبير هو سجن الايديولوجيا التي تحاصرهما، الاثنان سجينان في خطيهما المتوازيين اللذين لا يلتقيان، ابونظال السجين في جوهره ومعدنه الاصيل الطيب انسان بسيط الى درجة السذاجة، يجد نفسه مدفوعا الى السجن لإنقاذ حرية احد القادة الثوريين.
زوجته هي الاخرى تمارس عليه ضغطا لإكمال محكوميته، تتشابك المعادلات ومنطقياتها وتتضاد فيها ايجابياتها وسلبياتها، فظلام السجن وسوط الجلاد بعثرا وجه الحقيقة والمعادلات الانسانية كلها. في ما نجد الجلاد او السجان الذي يطمح لإكمال تعليمه الاعدادي كي يفخر به امام ابنه الذي ينتظر إنجابه، حبيس جهله وواجبه الوظيفي..
ووسط سيل من شعارات الحرية، والولاء والانقياد، والصراخ ضد الظلم الابدي المتكلس في ثنايا هذه الوجودية لثنائية الجلاد والضحية، تنسج الرؤية الاخراجية جمالياتها في عرض (المنفردة)، لتشكل العديد من المفاصل والتفاصيل جملاً مغذية لمسار الخطاب النصي، انه اشتغال على تفاصيل بيئة العرض.
والاكسسوار المكتنز بالدلالات والاشارات، الامر الذي يحيل تلك الزنزانة المنفردة والمظلمة الى فضاء كبير يخرج خارج قضبان الفكرة ليطير الدلالات الى فضاءات اوسع، خارج الزنزانة، فنحن ايضا نحمل سجننا الايديولوجي الداخلي ونحمل جلادنا، ونسير وسط خطين متوازيين مرغمين، في ظل حياة لا تقيم للاحلام المشروعة شرعية.
يرسل عرض (المنفردة) اشاراته البعيدة، ضاربا بسهامه في صدر الواقع العربي، والشخصية العربية المقموعة، لدرجة ان يتحول هذا الانسان وهذه الشخصية الى مسخ لا تبدو فيها معادلات الحقوق عادلة وواضحة.
عرض (المنفردة) من تأليف نوار بلبل ورامز الاسود ومن اخراج رامز الاسود، وبد بدأت عروض (المنفردة) خلال مهرجان حمص العمالي الثاني في العام 2008، وشاركت في مهرجانات عديدة، مثل مهرجان الاسبوع الشرقي في سويسرا، ومهرجان ليفربول الدولي للمسرح في كندا.
دبي - مرعي الحليان
