من الحروف البيضاء على اللوح الأسود، في المدرسة مروراً بسوالف ديوان الجد أو العم، وغيرها من روايات أعلام وأدباء، تركوا بصماتهم في حياة وفكر وثقافة الستينات، من كل هذا وغيره، تحدث الأديب والمفكر والدبلوماسي الدكتور يوسف الحسن عن علاقته بالكتابة الفكرية والأدبية.
وذلك خلال الأمسية التي نظمها اتحاد كتاب وأدباء الإمارات، في افتتاحية موسمه الثقافي، مساء أول من أمس في مقر الاتحاد في أبوظبي.
أدار الأمسية أنور الخطيب، مشيراً إلى أن الحسن سيتناول تجربته في الكتابة بما فيها الثقافية والفكرية، خاصة وأن لديه ثلاثين كتاباً منشوراً، وذلك في إطار البرنامج الذي طرحه اتحاد الكتاب وهو (كاتب وكتاب) يتحدث فيه الكاتب حول التفاصيل والهواجس التي رافقته أثناء الكتابة ،وأكد الحسن خلا.نالندوة أنه يكتب ليظل الوجدانمعافى.
ثنائية الدبلوماسي والكاتب
قال الحسن: كانت المعطيات الأولى ملعباً مناسباً، للقراءة، وللخيال، وللتساؤل، وللوقوع في فتنة الكتابة الأولى، وكانت النوافذ مفتوحة رغم عدم وجود الفضائيات، وثورة الاتصالات، وكانت الخربشات الأولى هي فعل حرية، وجاذبية، وقاهرة الستينات كانت برموزها الفنية والأدبية والسياسية، تدفعك بقوة العاصفة إلى سلطان القراءة، وبدايات الطريق نحو الكتابة السياسية والبوح الأدبي.
ومن مناخ الكتابة انتقل الحسن للحديث عن صيف 1970 في إمارة الشارقة مشيراً: في أزمنة الخيارات الصعبة والتحديات المعقدة، وفي لحظات اللايقين التي سادت وهيمنت أضاءت مع صديقين شمعة للأمل، فكانت مجلة (الشروق) وبعدها بشهور كانت جريدة (الخليج) رسالة تثقيفية وتعبئة وتنوير في لحظات مصيرية وتحولات خطيرة، لا تخفى على أحد.
ومن هنا بدأت في الكتابة السياسية بحكم عملي كواحد من المؤسسين للمجلة والجريدة وكأول رئيس تحرير لهما. حتى قيام اتحاد الإمارات وانخراطنا في العمل الرسمي والتأسيسي، وسجلت تلك التجربة في كتاب صدر في العام 2001 بعنوان (سيرة البدء: فصل من كتاب إعلام الإمارات).
بينما قاد العمل الرسمي الدبلوماسي في الخارج من العام 1972 إلى 1986 بـ الحسن إلى مرحلة النضج أوضح: في هذه الفضاءات الإنسانية المفتوحة، والمعرفة المتدفقة، كانت كتاباتي السياسية متجهة في الأساس لخدمة عملي الدبلوماسي، ومصالح الدولة الخارجية، وحينما كان يتغلب الثقافي على الدبلوماسي ويفيض الشوق إلى البوح، كانت الكتابة السياسية تميل إلى المناطق الرمادية.
مضيفاً: قد قيل الكثير عن ثنائية السياسي والكاتب، أو الدبلوماسي، والمثقف، وحينما كنت أكتب وأنشر كمثقف، كنت أكتب وأتحدث باسمي، وأعبر عن رأيي، مع العلم أني لم أسبب حرجاً لمنصبي، وأؤكد أن الدبلوماسية لا تتطلب من صاحبها أن يكون بلا ضمير، لكن تتطلب منه أن يكتم معاناته ويبتسم في وجه من أبكاه يوماً.
وهذه الثنائية (الدبلوماسي والكاتب المثقف) إذا ما امتلكت الحكمة والموضوعية، فإنها قادرة على مقاومة الصقيع ومرارات الإحباط.
تحديات
أوضح د. الحسن: أن معظم كتاباتي المنشورة، والتي امتدت نحو عقد ونصف تركزت حول العلاقات الدولية، وأعطت البحث العلمي حيزاً كبيراً فيها، وخاصة في مجال العلاقة الخاصة بين (أميركا، وإسرائيل) بعيداً عن الخطابة والعاطفة، أو الحماس، ونشرت فيها عدداً من الدراسات أثناء عملي بواشنطن، وثلاثة كتب تناولت فيها المجتمع الأميركي ونسيجه الثقافي، وآليات نظامه السياسي.
وأعتز كثيراً بكتابي المخصص للبحث في (الأصولية المسيحية الأميركية) والذي تحدث مبكراً حول (صعود المحافظين الجدد) وتنبأت بأمر وصولهم إلى حكم أميركا. ثم كتبت عن التحديات التي تواجه الدبلوماسي العربي في الخارج.
ليتحدث من بعدها الحسن عن المرحلة الجديدة في الوطن قائلاً: عند عودتي دبلوماسياً وكاتباً، شغلتني هموم الناس اليومية، وأسئلة الثقافة في المجتمع، التي كانت تزداد إلحاحاً بما فيها سؤال الهوية، وتراجع الوعي بأهمية الثقافة في حياة الناس.
وكان النشاط الحكومي وربما مازال هو المحرك الأول لهذه الثقافة، وبدت لي المبادرات الأهلية باهتة، في وقت أخذت فيه (ثقافة الاستهلاك) طريقها في الصعود، لتغمرنا.
كل هذه الأسباب دفعت الكاتب إلى حقل الأدب الساخر أوضح: كتبت على مدى عامين عموداً أسبوعياً في (الخليج) تحت توقيع (صامت بن غلبان) وكانت الكتابات تفيض بالسخرية اللاذعة، من الأوضاع العربية والخليجية المتردية.
وبدء مسلسل التدهور والانكسارات المستمرة إلى يومنا هذا، وفي ذات الوقت كان يشغلني الحوار بين الثقافات وإتباع الديانات المختلفة، وهو حوار ذو صلة بموضوع (الأصولية المسيحية) في أميركا، وذلك بعد أن شاركت في تأسيس الفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي في عام 1995.
اعتذار إلى البحر
تحدث د. يوسف الحسن عن مجموعته القصصية التي صدرت عن اتحاد الكتاب بعنوان (اعتذار إلى البحر) قائلاً: القصة القصيرة في الفنون هي الأصعب، إنها تحتاج إلى تركيز، وتكثيف، وإيحاء، وإيماء، وأتمنى أن أكون قد حققت ولو بعض النجاح فيها، وأثرت الخيال بدلالة الحدث، في معظم هذه القصص.
أثرت أسئلة المتغيرات الثقافية والاجتماعية، وحال الثقافة حينما لا تعرف الجدل والنقاش العام، والنسيج المجتمعي المتغير، والمدن الجديدة وغضب البحر وهو يبحث عن جيرانه القدامى، الذين رحلوا بعد أن حشوا بطنه بالإسمنت والحديد.
وأخيراً اعترف الحسن: أن لمسة السياسة كانت ساطعة في الكثير من هذه القصص، لكن كيف يمكن فصل السياسة عن الثقافة عن التاريخ، في أية حال، وأنا مثل كثيرين أكتب ليظل الوجدان معافى، ونحفر في الذاكرة والواقع لفك الحصار عن الروح، وتحرير النفس من خشية الانحشار في (قشرة جوز) السياسة، وأدغالها.
أبوظبي - عبير يونس
