اربعة جنود من قوات حفظ السلام الدولية، او حسب الاصطلاح الشهير لهذه القوات (اصحاب القبعات الزرق)، اربعة يجدون انفسهم محاصرين بين الكتب الصخرية على خط النار، وسط حرب اهلية مستعرة، لا مفر، الرصاص والبارود وحقل الغام وعاصفة ثلجية تجعلهم يتجمدون من البرد.
قصف مستمر وازيز طائرات ومصير مجهول يواجهه هؤلاء الاربعة الذين تمنطقوا هدفا واحدا هو المساعدة في اجلا الاهالي والاطفال من مناطق القتال، لكنهم وجدوا انفسهم بانتظار من ينقذهم..
يصاب احدهم بلغم نتيجة محاولته استطلاع ما يجري حول مكان اختبائهم، يقتل، يودعه اصدقائه الثلاثة بجملة لفظها المصاب قبل ان يموت ( ربما سنشتاق يوما لهذا المكان).
وبين انتظار قافلة النجدة، وانتظار قذيفة تنهي هذا العبث، وسؤال كبير حول جنون الحرب ومن يشعلها، واسئلة اخرى عن الانسانية التي تمنطق هذه الحروب، يدخل الثلاثة في حالة من الهلوسة ممزوجة بالذكريات والبطولات والانهزمات..
يتذكر احدهم ليلة زفافة وحبيبته التي ودعها في تلك الليلة لينفذ هذه المهمة الانسانية، ويتذكر الآخر ما دفعه الى المجيء هنا، بعدما شاهد الاعداء ينهشون لحم ابيه وامه امام عينيه، فقرر ان يوقف الحروب بالانضمام الى قوات حفظ السلام، يتذكرون الطفلة التي دهستها الدبابة امام اعينهم وهم يحالون انقاذها وكيف امتزجت عظامها بحبات الرمل..
آلم وحالة انسانية تفيض وتصرخ في وجه هذا العبث القاتل المسمى حرب..ينتظر الثلاثة القافلة التي حدثهم عنها زميلهم، وهم يعلمون انها هلوسة من هلوساته، لكن دون فائدة، ووسط القصف المتزايد وعصف العاصفة الثلجية يتجمد الثلاثة مكانهم وكأن من بياض الثلج صنعوا كفنهم الجماعي، كفن السلام الذي ارادوه سبيلا لحياتهم وحياة الاخرين..ينهدل من سقف المسرح حبل النجاة من طائرة انقاذ، لكنه جاء في الوقت المتأخر..
هذه حكاية نص ( العاصفة) الذي كتبه المؤلف الشاب حميد فارس، وقدمه المخرج الشاب حسن يوسف في اول تجربة اخراجية له ليثبت الاثنان، انهما مثل بقية زملائهما، مبدعان يبشران بمستقبل يهم الحركة المسرحية الاماراتية وهي ترتب اوراق صفها الثاني في فئة الشباب وتعدهم عبر دورات مهرجان دبي لمسرح الشباب..
مع حكاية العاصفة وتشابكها مع الاداءات التمثيلية الصادقة والعفوية التي تعامل معها الممثلون الاربعة نسج حسن يوسف خيوط فرجته عبر سينوغرافيا واقعية استفادت منها فرجة العرض، الامر الذي سهل الاجواء على عملية التلقي، فتقبل الجمهور عرض العاصفة بتصفيق حار..
ولأن خشبة مسرح مهرجان دبي لمسرح الشباب وعبر الدورات السابقة تلد في كل مرة مبدعين ومبدعات من هواة المسرح، كانت بالامس ولادة ممثل يبشر بمستقبل واحد هو سالم طاهر الذي تعامل مع محطات دورة بعفوية وصدق فهيمن تأثيره على صالة المتفرجين.
وكذلك قدم نواف المطروشي الذي كان اكتشاف الدورة السابقة في العام الماضي، حينما حصل على جائزة التمثيل دور ثان، وصلة من الاداء الرزين الهاديء الواثق فتناغم به مع بقية اداءات زملائه وكذلك حميد فارس الممثل والمؤلف.
تناغمت المعطيات جميعها على خشبة المسرح في مسرحية (العاصفة) بين عطاءات الممثلين وعطاءات السينوغرافيا التي وفرت المناخ الملائم وبين موضوعة النص الانسانية، فجاء العرض حاملا رسالة فكرية وفنية احبها الجمهور وتفاعل معها.
(العاصفة) ثالث عرض في اطار مسابقة مهرجان دبي لمسرح الشباب المقامة حاليا على مسرح ندوة الثقافة والعلوم بدبي، وهو من الاعمال المسرحية التي تؤشر الى اهتمامات جيل الشباب من المسرحيين بالمواضيع الانسانية وقضايا السلام التي تتجاوز البيئة الى همها العالمي والانساني.
الندوة التطبيقية
وقد اقيمت ندوة تطبيقية بعد العرض ادارها الاعلامي خالد البشير، الذي تساءل في بداياتها عن دور وسائل الاعلام والفضائيات بالذات في نقل اجواء المهرجان وترويجه اعلاميا على المستوى العربي والعالمي.
وقال ان هذه الظاهرة تضم طاقات شابة لا تقل ابداعا عن النجوم، وبين اروقة هذا المهرجان ايضا نجوم تلفزيون، فلماذا تغيب الفضائيات عن هذا الحدث المهم؟
تحدث العديد من المسرحيين الشباب والمخضرمين حول عرض العاصفة، واتفق الجميع على انه عمل يبشر بميلاد مخرج واعد مثل حسن يوسف، وبنضوج ملحوظ في تجارب حميد فارس الكتابية، وببروز ممثل واعد مثل الشاب سالم طاهر.
فيما سجل البعض ملاحظاتهم حول ضرورة المحافظة على سلامة اللغة العربية في العرض اذ لوحظ تكرارالعديد من الاخطاء، وتحدث البعض عن الزيادة في جرعة المؤثرات الموسيقية التي غطت في بعض الاحيان على حوارات الممثلين.
بطاقة
العاصفة من تأليف حميد فارس و اخراج: حسن يوسف، تمثيل: حميد فارس، نواف المطروشي، سالم طاهر وعمر الملا، انتاج: مسرح الشباب للفنون بدبي، تصميم الاضاءة والديكورات: حميد فارس ومبارك ماشي، مؤثرات موسقية: جاسم محمد، الماكياج: حسن يوسف والاشراف العام: ناجي الحاي.
دبي - مرعي الحليان
