دب الباندا العملاق هو أحد الرموز الأكثر شهرة في العالم. وتستخدمه أشهر ماركات المنتجات العالمية من الإلكترونيات إلى المشروبات المبردة، إلى الشيكولاتة، وغيرها، وبلا شك حملة الحفاظ على البيئة. أحدث الأسرار التي اكتشفها العلماء أخيراً في عالم الباندا الغامض هو أن تكوينه الطبيعي وفر له قدرة فائقة على البقاء، على عكس الاعتقاد الشائع، الذي روج عنه، بأنه لا يحب الحياة، ولذلك أوشك على الانقراض.
وقد ظل دب الباندا بفضل طبيعته الخجولة وحبه للعزلة، واحداً من أكثر الكائنات في العالم غموضاً. وقد طرح ذلك الكثير من الأسئلة التي حاول العلماء الإجابة عنها، ومنها: لماذا يأكل الباندا نبات الخيزران؟ ولماذا يبدو أن من الصعب عليه التزاوج والإنجاب؟ وكيف بأي حال تمكن هذا الحيوان الذي يصعب عليه فيما يبدو الانسجام مع الآخرين، من البقاء كل هذا الوقت؟
يبدو السؤال الأول هو الأصعب بين هذه الأسئلة. ويبدو من المحير أن حيواناً كان أجداده من أكلة اللحوم تحول ليصبح نباتياً بشكل كامل تقريباً، خاصة وأنه يعتمد في غذائه على نبات الخيزران، وهو ليس نباتاً غنياً من الناحية الغذائية. ويمضي دب الباندا أكثر من نصف النهار كل يوم حتى يحصل على كفايته من السعرات الحرارية من الخيزران.
طريقة موضوعية
ورغم ذلك فعند النظر إلى الأمر بطريقة موضوعية، فإن معدل النمو الكبير الذي تتمتع به تلك النباتات، وتوفرها على مدار العام، وفي كل مكان تقريباً، يجعل منها وجبة جذابة بدرجة كبيرة. ويقوم الباندا باستخلاص ما بها من سعرات حرارية قليلة بطريقة مذهلة. فتكوينه الطبيعي الذي زوده بإصبع سادس يمكنه من القبض على أعواد البامبو والتحكم فيها وتقشيرها وامتصاص ما بها من خلاصة غذائية. كما أن بنية جمجمته الضخمة وأسنانه القوية توفران له الوسائل الضرورية للنفاذ عبر اللحاء الخشن والوصول إلى اللب المغذي.
علاوة على ذلك فإن قدرة الباندا الكبيرة على الهضم يدعمها نظام حمية، ونظام ميكروبي فعال في القناة الهضمية. وقد بلغ من فاعلية جهاز الهضم عند الباندا أن العلماء اليابانيين تمكنوا من استخدام بكتيريا مستخرجة من برازه في تحقيق عملية «هضم كامل لنفايات المطابخ». وكان هذا اكتشافاً علمياً استحقوا عليه الفوز بجائزة نوبل للعلوم في مجال البيولوجيا، للعام 2009.
الأمر الأكثر إثارة هو أنه عندما تمكن العلماء من رسم الخريطة الجينية الكاملة للباندا في العام 2009، وجدوا أن هناك جيناً متحولاً؛ بما يؤشر إلى أن هذه الدببة لا يمكنها تذوق اللحوم، وهو ما يبرر بدوره أنها لا تبحث عنها كثيرا. لكن عندما تسنح الفرصة لا تتردد الباندا في الانقضاض. وقد توصل العلماء الذين أجروا أول بحث ميداني في الثمانينات إلى رصد مخلفات تعود للباندا وبها شعر قرد ذهبي، وعظام وحوافر وجلد غزال.
انزيمات ضرورية
ولا تزال جينات الباندا تحتوي على كل الأنزيمات الضرورية لهضم اللحوم، وربما يكون لجوؤها أحيانا إلى أكل اللحوم هو لتعويض ما لا يقدمه لها نبات الخيزران من عناصر غذائية. الأمر الآخر الذي يعتقد الجميع خطأ بأنهم يعرفونه عن الباندا هو الظن بأنها غير مخلصة عاطفياً. ولكن دراسة ميدانية مطولة أخرى، أجراها علماء صينيون، أظهرت أن هذه الدببة جيدة للغاية في ما يتعلق بالتكاثر. ولكن السمعة السيئة التي تحيط بها تأتي من نظام تزاوجها غير المألوف، حيث تكون الإناث مستعدة للتخصيب ليوم أو يومين في العام فقط.
وفي هذه الفترة البسيطة يظهر الذكور والإناث براعة كبيرة في تعرف بعضها إلى البعض. وعلى عكس ما كان معتقدا في السابق أيضاً، لا تبدي الباندا نفوراً من عملية التزاوج، وغالبا ما تحمل الإناث من اللقاء الأول في البرية. ورغم أن الصغار تولد ووزنها لا يتجاوز 100 غرام فقط فإنها سرعان ما تنمو في جو من السعادة.
عصام بيومي
