عالم الخدم ومعاناة الأسر اليومية معهم تدخل جميع أطراف القضية في دوامة الإرباك والمشكلات، بدءاً من الكفيل إلى المكفول مروراً بمكاتب الوسطاء وصولاً إلى الجهات الرسمية المسؤولة عن متابعة الإجراءات أو الفصل في النزاعات على كثرتها وتشعبها، هذا فضلاً عن العديد من القصص الغريبة لأسر تعطلت الكثير من برامج حياتها لاضطراب وضع المستخدمين عندها، ما يفرض وضع المجهر على هذه الخلطة الاجتماعية المعقدة لاستلال الحلول المناسبة لظاهرة بدأت تفتح قنوات كثيرة من المشكلات والإزعاجات. الملف التالي وعلى مدى أيام سيتناول هذه القضية ويرصدها بكامل تفاصيلها..

اقترح عليَّ أحد المواطنين، بينما كنت أتحدث إليه بخصوص معاناته والكثيرين غيره من تجربة مريرة أوجدتها خادمات بفعل هروبهن المتكرر من بيوت المخدومين، بأن أنقل قهر آلاف الأسر في دولة الإمارات إلى صناع الدراما والسينما في الدولة علَّهم يتنبهون إلى هذا الواقع الذي يأبى الاستقرار، فيرصدون في عمل تلفزيوني متكامل قصة واحدة من الخادمات تترك بيت مخدومها وتسير في مخالفات اجتماعية وربما أخلاقية كثيرة هنا وهناك، فيما يضطر الكفيل إلى تحمل العبء الأكبر وهو يدفع ثمن الضرر الذي يلحق به.. يقول هذا المواطن «قد يستعيد ذلك العمل الفني بأحداثه شيئاً من الحق الذي يضيع على كل ولي أمر حينما تكون مشكلته هروب الخادمة، والأهم أنه قد يواسي آلاف الأسر المواطنة والمقيمة في مصابها الخدمي»!.

عمل تلفزيوني يحكي مسلسل هروب الخادمات في دولة الإمارات، ليس حلاً رغم أنه يرصد واحدة من أهم مشكلات القرن الواحد والعشرين في الدولة، في المقابل ومن أجل عيون كتاب السيناريو وصناع الدراما، ارتأينا أن نسلط الضوء على هذا الموضوع من خلال سرد ما صادفنا من تجارب كثيرة ربما عايشها كل بيت إماراتي حتى الآن، وهي التي تؤكد أن هروب الخادمة لا يمكن اعتباره هروباً بمعناه اللغوي، وإنما يرتقي في منطقه غير المبرر إلى كونه ضرباً بكل القوانين والأعراف التي تربط الخادمة بالأسرة عرض الحائط، أملاً منها في تحقيق رغبات مادية وشخصية غير مشروعة قبل أن تجد نهايتها المحتومة في قبضة الشرطة، فتأخذ تذكرة سفرها التي تنتظرها وتسافر إلى أهلها بكل سرور.

سرقة

لعل عبيد علي وهو أحد ضحايا الهروب، يجسد النموذج الأبسط في معادلة هروب الخادمات، طالما أن عائلة واحدة اضطرت لجلب 28 خادمة في سنة واحدة بسبب الهروب المتكرر للخادمات، أما علي فيقول إن خادمة كانت تعمل في بيته بصورة طبيعية، وذات يوم فوجئ بهروب الخادمة وقد أخذت معها أموالاً وإكسسوارات أخرى سرقتها، وعلى الفور تم إبلاغ الشرطة بحادثتي السرقة والهروب، والمفاجأة الكبرى كانت حينما علم في وقت لاحق أنه تم إلقاء القبض على المتهمة، ولكن في المقابل تمت إجراءات تسفيرها دون أن يعلم، وذلك أمر لا يعقل حيث ضاعت مع تلك الخطوة حقوقه المادية والمعنوية كذلك.

أم عمر وهي أم لطفلين، اعتادت أن توصلهما كل صباح إلى بيت قريبتها، وحينما عادت إلى منزلها بعد الانتهاء من عملها، فوجئت بالبيت خالياً من خادماتها الثلاث اللواتي حزمن حقائبهن وهربن بشكل جماعي، ولدى سؤالها الجيران أجابوها أن سائقاً آسيوياً ربما يكون سمساراً في تهريب الخدم، قد أقلهن في سيارته وذهب مسرعاً، ورغم ذلك واصلت الأم اتصالها بالهاربات وفي كل مرة كل يرد على الهاتف رجل آسيوي، حتى أيقنت أن الهروب أصبح «مهنة» لدى عصابات محترفة بالاتجار بالبشر.

ليلة العيد

أما أم خالد فتروي هي الأخرى قصصاً كثيرة مرهقة من كتاب هروب الخدم، وتقول إنها كانت بحاجة ماسة إلى خادمة، وحينما ذهبت إلى أحد مكاتب الخدم أخبروها أنهم سيوفرون لها خادمة على وجه السرعة، وبالفعل جاءت الخادمة بعد ثلاثة أيام وفي ليلة العيد بالتحديد، وفي اليوم التالي للعيد كانت المفاجأة المنتظرة، حيث هربت الخادمة الجديدة وقد سرقت عيدية الأبناء وبعض الملابس، وبعد فترة من الوقت وقعت في قبضة الشرطة، فذهبت الأم لتجد إجابة شافية لسؤالها الحائر «لماذا هربت الخادمة؟».

وتضيف أنها وحينما واجهت الخادمة الهاربة وجدت بحوزتها كمية من الذهب تبدو أنها حصيلة سرقات أخرى، أما إجابة الخادمة فكانت أنها ووجهت بالرفض بسبب ديانتها، وذلك تبرير عارٍ من الصحة، حيث كانت أم خالد على علم مسبق بديانة الخادمة من خلال صورة جوازها وقبل أن تصل إلى بيتها، وفي النهاية اضطرت إلى دفع ثمن التذكرة وخسرت أموالها وحاجياتها المسروقة وعادت إلى بيتها بحسرة «لا حول ولا قوة».

ضيف عزيز

خادمة أخرى جاءت إلى البيت، وقُدِّمت لها شتى وسائل الراحة والرفاهية من غرفة خاصة وموبايل ورصيد وملابس وسوى ذلك، إضافة إلى جمل الترحاب والمعاملة الإنسانية الرائعة وكأنها أحد أفراد البيت أو ضيف عزيز، وحينما بدأت إجراءات الفحص الطبي، كان الجواز على الطاولة، فسرقته وهربت، بعدما تسببت في هدر آلاف الدراهم، كما توضح أم خالد.

بعد سنوات قليلة وحينما صدر قرار العفو وتعديل الأوضاع للمخالفين، اتصلت الخادمة بالأم طالبة التوقيع لها من أجل تعديل وضعها للعمل في «شغل حر»، حينها أصرت الأم على استرجاع الفلوس التي خسرتها، لكن وبعد فترة وجيزة فوجئت بأنه تم تسفيرها دون أن يخبرها أحد بذلك.

خادمة أخرى اشترط المكتب دفع رسوم تأمين قبل الفترة التجريبية مع خصم أجرة أيام عملها في حال عدم الموافقة، وحينما قبلت أم خالد بها، فوجئت أنها ترفض العمل وتريد العودة للمكتب، وهناك بدأت الخادمة تتحدث بأريحية وثقة، وفي هذه الأثناء طلب مسؤول المكتب مبلغ 200 درهم كرسوم فأبت الأم دفعها لأنها لم ترفض الخادمة والرفض جاء منها ومن المكتب.

«فالتوه»

أمام هذا الواقع تؤكد تلك الأم أن الهروب أصبح صناعة، وأن المكاتب والخادمات على تفاهم في هذا الشأن، وأن أقل ما يمكن أن يقال عن سوق الخدم أنه «فالتوه»، وتتساءل لماذا لا تلجأ السلطات المعنية إلى حصر أعداد الهاربات وهي بالآلاف، ولماذا لا تبحث عنهن من أجل تنظيم سوق الخدم بآلية أكثر جدوى، مشيرة إلى أن الخادمات أصبحن يدمنَّ فكرة الهروب وذلك على الرغم من أن غالب الأسر تسعى جاهدة للحفاظ على هذه الفئة نظراً للحاجة الملحة لها في ظل عمل الأزواج، ففي كل بيت تجد المأكل والملبس والمبيت تماماً كما يجده الأبناء، وأكثر من ذلك فكثير من الأسر تحرص على تذكُّر أعياد ميلاد الخادمات والاحتفال بها، ناهيك عن منحهن رواتب مقدماً وتقسيطها على شهور أو سنوات، كل ذلك من أجل منحهم شعور الطمأنينة وبالتالي الحصول على مطلب استقرار البيوت الذي يبدو بعيد المنال في ظل واقع الهروب غير المبرر.

حفلة زواج

وفي هذا الصدد تؤكد خلود «أم عبيد» أنها اضطرت ذات يوم إلى اصطحاب الخادمات الثلاث اللواتي يعملن في بيتها إلى حفلة زواج، وحينما عادت إلى البيت يبدو أن خلافاً وقع بين خادماتها، فجاءت إحداهن تخبرها أن مشرفة الحفل الفلبينية الجنسية أعطتهن رقم هاتفها وطلبت منهن الهروب للعمل معها، وعلى الفور أخبرت الجنسية والإقامة بذلك، ولكن إلى الآن لم يحدث أي شيء.

وفي بيت عيسى، وهو مواطن من الشارقة ظلت خادمة تعمل سنوات، قبل أن تأتي لمساندتها خادمة أخرى، التي أقنعتها بعد أقل من أسبوع على الهرب معاً، وبعد أسبوع تم إلقاء القبض على واحدة بالصدفة، أمسكت بتذكرتها وسافرت، أما الثانية فلا تزال إلى اليوم تتصل بعائلته بثقة وتقول لا مبالية «أنا بخير وأعمل في العين وفقط أريد أن أطمئنكم».

أما أم محمد، فكانت لديها ثلاث خادمات، يخرجن معاً على مدار شهور متواصلة لملاقاة أصدقائهن، ثم العودة قبيل الفجر والتناوب خلال النهار على النوم لتعويض ما فاتهن، قبل أن يتخاصمن فتخبر إحداهن بجريمتهن، فما كان من الأم إلا أن أحضرت لهن تذاكر السفر وأعادتهن إلى بلدانهن.

أما هند فكانت لديها خادمة تتحدث في بعض المرات مع عمال آسيويين، وحينما نبهتها إلى ضرورة التخلي عن هذا التصرف، كانت ردة فعلها بأن هربت من البيت وتركت أبوابه مفتوحة والأبناء الصغار في البيت وحدهم، وحينما عادت الأم لم تصدق أن أبناءها الصغار لم يصابوا بأي مكروه وهم على أعتاب أبواب مشرّعة.

أم سارة طلبت خادمة تتقن اللغة الإنجليزية على الأقل فجاءتها خادمة لا تجيد أي لغة، فقبلت بها نظراً للحاجة، وحينما أرادت استكمال الإجراءات القانونية فوجئت برفض من الخادمة، فالمشكلة كما تقول أن الخادمة تأتي إلى البلد وهي تعرف القوانين بامتياز، وتشعر بثقة وأمان وهي تتصرف كما تشاء، وبذلك تستفيد هي مادياً من عملها الموزع هنا وهناك، وتتكسب المكاتب من الرسوم وهي تظهر أنها مهتمة بتوفير البديلة.

المأساة الكبرى

وفي بيت عمها، تروي أم سارة مأساة أكبر، تتلخص في أن البيت دفع خلال عام واحد نفقات طائلة على 28 خادمة هربن من الخدمة، كل ذلك ولا يوجد في البيت سوى امرأة كبيرة في السن، أما السبب كما تجده أم سارة فهو يتخلص بكون المنطقة السكنية تلك تبدو موبوءة بالخادمات الهاربات، اللواتي يقنعن سواهن بالهروب نهجاً وسلاحاً يعتشن منه كيفما يشأنَ!.. تلك الحكايات تؤكد حتماً أحقية المسلسل أو الفيلم الذي قد يداوي جروح المجتمع ويشفي غليل الضحايا «تمثيلاً وليس واقعاً».

دبي ـ عنان كتانة