يحسم في الأسابيع القليلة المقبلة مصير جانب من تراث الروائي العالمي التشيكي الأصل فرانز كافكا، حيث يقترب هذا النزاع من الوصول إلى حل، ويتوقع أن تصدر المحكمة «الإسرائيلية» العليا حكمها النهائي في القضية بعد انتهاء عمل فريق عينته من فحص تلك المخطوطات وتصنيفها. فقد ظل مصير مخطوطات كافكا تتقاذفه الرياح على مدى 50 عاما، حتى بلغ منعطفا مهما في العام 2008، عندما دخلت إسرائيل على الخط مطالبة بحيازة المخطوطات.

وقد كانت مخطوطات كافكا محل نزاع قضائي لعقود طويلة، لكنه ازداد استعارا منذ اشترت دار محفوظات الأدب الألماني، في مدينة مرباخ، مخطوطات رواية «المحاكمة» الشهيرة لكافكا، مقابل 5, 1 مليون يورو، أو ما يعادل مليوني دولار أميركي.

وقد أصبح هذا النزاع القضائي هو الأغرب من نوعه في عالم الأدب، بين ألمانيا وإسرائيل اللتين تطالب كل منهما بأحقيتها في الحصول على المخطوطات.

بدأت القصة في العام 1924 عندما مات كافكا في ريعان الشباب عن عمر يناهز ال41 عاما بعدما هاجمه الاكتئاب ومرض السل القاتل، بعد أن أوصى صديقه الناقد والمحرر الأدبي الشهير ماكس برود بحرق ما يخلفه من مؤلفات وأوراق بعد وفاته. لكن برود تجاهل وصية كافكا، واحتفظ بالمؤلفات، وانتقل بها من براغ في تشيكيا إلى فلسطين في العام 1939.

وفي العام 1956 نقل سالمان شوكين الناشر الذي كلفه برود بنشر أعمال كافكا كثيرا من هذه المخطوطات إلى زيوريخ في سويسرا، بعدما وصلت إليه من برود. وفي العام 1968، مات برود في فلسطين المحتلة تاركا ما تبقى معه من المخطوطات لسكرتيرته، إستر هوف.

وقد باعت هوف بعض الأوراق والمخطوطات، وربحت منها الملايين، وخاصة مخطوطة رواية «المحاكمة»، علاوة على رسالة أرسلها كافكا لصديقه برود بيعت بمبلغ 28 ألف يورو، وأصبح كافكا بين ليلة وضحاها الدجاجة التى تبيض ذهبا لإستر هوف.

وفي العام 1974، حصلت هوف على حق الاحتفاظ بالمخطوطات في إحدى مراحل تلك المعركة القضائية. وبعد ذلك بأربعة عشر عاما عرضت هوف بيع المخطوطات في مزاد، حيث اشترتها دار المحفوظات الألمانية مقابل 2 مليون دولار، في العام 1988.

لكن هوف ماتت في العام 2007، عن عمر ناهز ال100 عام، تاركة المخطوطات لابنتيها روث ويزلر وإيفا هوف. وما لبثت أن تقدمت المكتبة العامة في إسرائيل بإنذار قضائي ضد تنفيذ وصية هوف لابنتيها، وأبطلتها بالفعل. وقبل أشهر قليلة رفضت المحكمة العليا الإسرائيلية استئناف إيفا هوف، وسمحت للمكتبة بإدراج المخطوطات في سجلاتها.

وقد راوحت القضية ، في فصلها الحالي، لمدة أكثر من سنتين، بين الجانب الإسرائيلي الذي يزعم أحقيته في المخطوطات كون كافكا كان يهوديا، وأن برود انتقل بالمخطوطات إلى فلسطين المحتلة في العام 1939، وبين ابنتي هوف اللتين تؤيدان الموقف الألماني المطالب ببقاء المخطوطات في ألمانيا حيث سيتم حفظها ورعايتها بطريقة وإمكانيات أفضل.

وإذا جاء حكم المحكمة في صالح ابنتي هوف فسيكون لهما مطلق الحرية في بيع المخطوطات كلها أو جزء منها إلى دار محفوظات الأدب الألماني في مرباخ.

كما سيكون بوسعهما الاحتفاظ بما يتبقى في محافظ بنكية تخصهما في سويسرا وإسرائيل. ويقول معظم الخبراء إنه ليس من المتوقع أن تحتوي المخطوطات على أي أعمال كبرى أخرى لكافكا، لم تعرف من قبل. فقد نشر برود كل ما رآه صالحا للنشر، ولكن ربما يكون هناك بعض الجواهر المدفونة التي لم يكشف عنها بعد.

وكانت إيفا هوف حاضرة عند فتح الصناديق، مع وفد من المحامين الذين عينتهم المحكمة. وقد تلقت المحكمة سجلاً دقيقاً لمحتوى الصناديق، بمساعدة خبراء أدبيين ألمان وخبراء في المخطوطات. وطلبت الصحيفة الإسرائيلية «هارتس» من المحكمة أن تسمح بنشر الوثائق لقيمتها الأدبية.

وسوف تقرر المحكمة نهائيا خلال الأسابيع المقبلة، ما إذا كانت ستتم إعادة الوثائق إلى حيازة ابنتي هوف، وبالتالي إلى المحافظ البنكية أو نقلها إلى أرشيف عام لنشرها لفائدة الأجيال المقبلة.

وسيأتي ذلك بعد فحص الوثائق الخاصة باثبات الملكية الأمر الذي سيستغرق شهرا آخر تقريبا، حتى يتم الإعلان عنها إن وجدت، بينما ينتظر العالم نتيجة هذه العملية القضائية.

ويرى كثير من النقاد أن قضية النزاع على ميراث كافكا الأدبي تمثل قضية أدبية وفنية شائكة، إذ تتعلق بسؤال مفاده هل: يتم توريث الفنان وأدبه وفنه لورثته الشرعيين أو من يحددهم هو أم للجمهور، وهل من حق الورثة أو الأوصياء حبس هذا الإبداع عن الناس لمجرد وصية ورقية؟

إعداد: عصام بيومي