العادة التي تسللت إلي على غفلة مني ربما، وهي حميدة على أي حال، عادة القراءة خلال المسافة التي تفصل مطار المغادرة عن مطار الوصول وبالعكس أيضا، أينما كانا هذان المطاران في المنطقة العربية أو في غيرها من مناطق العالم. إن طريقة القراءة هذه ربما كانت هي الوحيدة الأفضل بين الطرق المتنوعة الأخرى التي يمارس فيها الإنسان نوعا من تخصيب المخيلة والركون والتأمل الضروري وفوائد جمة.
إن المرء في حالة كهذه يعشق الأيام التي عليه فيها التنقل ليس عشقا للترحال بل لأنه يلتقي فيها كتابا يقرؤه ويجعله جليسا «جويا» من النوع الممتاز والمبهج.
شيء آخر يتذكره المرء في مثل هذه الحالات «القرائية» في الأجواء وهو كتب «الجيب» تلك التي قربها حجمها إلى الإنسان قبل مضمونها، حيث أمكنه وضعها في جيب سترته قبل أن يأخذ مقعده ويشرع في القراءة.
لم تكن تلك الكتب «الجيبيّة» تُشترى لاسم مؤلفها أو لعنوانها إنما لحجمها الذي حل معضلة مربكة.. ترى كم كان ذكيا ذلك المبدع الذي فكر أو صدر فكرة كتاب الجيب. لعله من عدم الإنصاف ألا نحسبه أحد مداميك الحضارة التي بدأت بالكلمة وأعطاها بعدا أكثر عمقا فعل الأمر «اقرأ».
هل يمكن تخيّل إنسان لا يقرأ؟!..لا، لا يعتقد أبدا ان بمقدور أحدنا اليوم تخيل مثل هذا الإنسان، ولا تخيل إنسان باستطاعته مخاطبة نفسه أولا وأهله والناس من حوله من دون أن يكون قد مر على عدد من الكتب في شتى المجالات.
من لا يقرأ كتابا صعبَ عليه قراءة الحياة؛ قد يسعفه الوعي في كثير من المواقف لكن المعرفة، وهي التي تتعدى العلوم الصحيحة، يصعب التمكن منها من دون القدرة على القراءة وممارستها في عملية مستمرة لا تنقطع مدى الحياة.
إن الكثير من المثقفين أو ممن يعانون من ثقافة ناقصة، بحسب ما ورد لدى بعض الكتاب ونقاد الكتابة والثقافة.. أساؤوا إلى أهمية الكتاب والقراءة، وقاموا بعملية تنفير غير مباشرة لكل من كلم نفسه يوما بصداقة الكتاب أيا كانت طبيعة موضوعه أو مجاله.
وأمر كهذا حينما تتخيله تعرف تماما كيف تحدد الجهة المسؤولة عن هذه الكارثة الإنسانية التي أشبه ما تكون بالنكبة المستمرة. إن المجاعة الثقافية أو الأدبية، إنما تبدأ بوادر شرارتها من غير المثقفين لكن على المثقفين الحقيقيين الوقوف في وجهها لمحاولة إخمادها في مهدها ومنع تحولها إلى نار كبيرة تحرق الأخضر قبل اليابس.
إن الذين يفرحون بأنفسهم بعد قراءة كتاب أو اثنين ولا يترددون في الترويج لأنفسهم كمثقفين ليكتشف جلاسهم أو قراؤهم فيما بعد أنهم لا يقبضون على شيء سوى الهباء.
إذا ما الذي سيُضيفه كتاب أو كتابان إلى معارف أحدنا أو معلوماته؟.. لا شيء. إلا إذا كانت قطرة ماء تغني عن النهر أو ساقية ماء عن البحر الكبير!
هل بدت هذه الكلمات قاسية على بعضنا؟..ربما، لكن محمد شكري، الأديب المغربي المعروف، كان أكثر قسوة في كتابه «غواية الشحرور الأبيض». قصة ذلك الكتاب لا تخلو من طرافة وشجن.
عبدالسلام عزام - الإمارات
