رون بيكيت هو أستاذ علوم الصحة غير المتفرغ والمشارك في إدارة معهد أبحاث الأنثروبولجيا الحيوية في كلية العلوم الصحية الأميركية. وهو من أهم الاختصاصيين في مجال المومياوات.

وقد نشر نتائج أحدث أعماله حول ثقافة قبيلة «الأنغا» في بابوا نيوغينيا، في العدد الأخير لمجلة «ناشيونال جيوغرافيك» تحت عنوان «اتقان علم التحنيط».

يقول بيكيت المحاضر في جامعة «قينيبياك» الأميركية، الذي دار حول العالم لمساعدة السكان الأصليين في المناطق النائية على استعادة وتذكر طقوسهم الخاصة في التحنيط، إنه يحب اكتشاف أسرار المومياوات الجديدة عليه. ولأنه خبير في الطب الحيوي، فقد تعامل مع المئات منها، في غضون ال15 عاما الماضية، في كل مكان من تايلاند شرقا إلى بيرو غربا.

ويضيف إنه غالبا ما يجري أبحاثه على المومياوات في المعامل أو في المتاحف، لكن الأمر كان مختلفا في قرية «كوكي» في بابوا نيو غينيا، حيث بدأ العمل هناك في العام 2008، وحيث تمثل المومياوات جزءا من الحياة اليومية لسكان القرية، إذ توجد المومياوات مع الناس يوما بيوم. ويوضح أنه في تلك القرية، يوجد ارتباط جسدي، وعاطفي، بين الإنسان والمومياء، ليس له نظير في أي مكان آخر من العالم.

ويضيف: «في المرة الأولى التي زرت قرية «كوكي» استقبلني رجل يرتدي زيا تقليديا من أزياء القرية وتخترق أنفه عظمة من طائر الشبم. كما كان يحمل قوسا وسهما. ابتسمت، وقلت في نفسي: ما أروع ذلك! لكنه في الحقيقة كان يوجه إلي تحذير المقاتلين قائلاً: ما الذي جاء بك هنا؟ فقلت له «إنني جئت لكي أعمل على ترميم المومياء المسماة «مويمانغو». لقد أتيت من أجل فحصها وإصلاحها، حتى يكون بإمكانها القعود، لسنوات أخرى مقبلة، فوق التلة».

ويستطرد بيكيت قائلاً: «الأمر الذي فاجأني عندئذ هو أن الرجل حك أنفه في أنفي. ذلك أنه قبل سبب وجودي بينهم. فحك الأنوف هو علامة الترحيب الرسمي عند أبناء تلك القرية. ولكن كان الأمر أكثر سهولة، عندما التقيت غيمتاسو، زعيم شعب «الأنغا» في قرية كوكي. لقد كان مويمانغو والد غيمتاسو، وقد تم تحنيطه عند وفاته قبل نصف قرن تقريبا.

كان مويمانغو محاربا عظيما، وعندما عاد إلى القرية ذات مرة، قبل 50 عاما، وقد أصيب فيما يبدو في معركة، شكا من ضيق في التنفس. جلس بجوار النار، ومات. ووفق ما جرى به العرف، قام غيمتاسو وعدد من أفراد العائلة بتحنيط جثمان والده في خيمة تدخين خاصة.

بعد التحنيط وضعت مومياء مويمانغو في ما يشبه المعرض، على قمة تلة تشرف على القرية بجوار عدد آخر من مومياوات الأسلاف. ولكن بعد سنوات من البقاء في العراء، احتاجت مومياؤه إلى بعض الترميم.

لقد مارس أهل قرية «كوكي» التحنيط لقرون، لكن بمرور الزمن، وتوالي الأجيال، باتت تلك مهارة شبه منسية. ونصحت بعض البعثات التبشيرية إلى القرية أهلها بأنه يجب الامتناع عن التحنيط، كونه يخالف شرائع السماء. لكن غيمتاسو طلب مساعدة بيكيت لإحياء تلك الثقافة. كما طلب أن يتم تحنيطه هو نفسه، عند موته، حتى يمكنه الانضمام إلى أبيه فوق التلة.

ويقول بيكيت إن التعامل مع المومياء يشبه التعامل مع شخص مريض، وأهم شيء هو عدم الإضرار بها. ويضيف: «عندما أحضرت مومياء مويمانغو إلي لأفحصها للمرة الأولى، كنت قلقا قليلا بشأن الطريقة التي استخدمت للفها وتدعيمها. كانت رأس المومياء تتقلقل وكان يجب التعامل مع ذلك على الفور. في العادة يتم تثبيت الرأس بواسطة دعامة للرقبة.

لكنني أدركت أن قرية «كوكي» لا تملك شيئا كهذا. لكن قبيلة «الأنغا» تعرف الغابة. وقد صنعنا نوعا خاصا من الدعامة من قماش تابا. قمنا بتسخين جزء من لاصق من شجرة كوماكا للصق جلده بالجمجمة».

وقال: «بعدما انتهينا من ترميم المومياء، جاء غيمتاسو ولمس كتف والده، ثم بدأ بالبكاء والقفز، وأمسك يدي، وقال: «أنا مسرور جداً لأن أبي عاد من جديد، شكراً لك». وقد تركت في القرية دليلا إرشاديا لكيفية ترميم المومياوات وعندما عدت إليها من جديد هذا العام، كانت مومياء مويمانغو لا تزال في حالة جيدة».

عصام بيومي