أحيا النادي الثقافي العربي مساء أول من أمس أمسية مزدوجة تشكيلية ثقافية قدمها الدكتور عمر عبد العزيز تم خلالها افتتاح معرض للفنانة التشكيلية الإماراتية هدى سعيد بينما ألقى الأديب والمفكر السوداني دكتور أبكر آدم اسماعيل محاضرة تحت عنوان (خصائص السودان الثقافي)، قدم لها محمد السيد أحمد.
وتأتي محاضرة اسماعيل في وقت يمر فيه وطنه السودان في لحظة حرجة للغاية في انتظار نتائج الاستفتاء المرتقب حول انفصال جنوب السودان أم بقائه تحت ظل السلطة المركزية في الخرطوم، الأمر الذي يفتح باب النقاش واسعا حول تاريخ السودان ومكوناته الثقافية والعرقية والاثنية والجغرافية، وكيف راحت تتفاعل هذه المكونات قبل أن تتبلور التشكيلية السياسية الاجتماعية الحالية فيه، والتي لا بد من تذكرها والوقوف على تفاصيلها لاستجلاء صورة السودان وتحديد هويته وانتماءات مكوناته السكانية المتنوعة.
المحاضر لم يعرض لتاريخ نشوء وتطور المجتمع والدولة السودانيين فحسب، بل استهل محاضرته بمقدة تمهيدية طويلة حول نشوء الثقافة في المجتمع الانساني عموما موضحا أن هناك التباسا في تعامل المثقفين مع هذه القضية، التي يجب ألا تختزل في جانبها المديني بما فيه من شعر وأدب ورسم وموسيقى فحسب، بل يجب التعامل معها بوصفها تشمل جوانب أنثروبولوجية عديدة بدونها لن يستقيم مفهوم الثقافة بوجهيه المادي والمعنوي في المجتمع.
حيث ينتج الناس تصورات عن أنفسهم وعن الآخرين وعادة ما يكون لهذه التصورات طابع رمزي أو اسطوري يجعلهم يتصورون أنهم افضل من غيرهم، ما خلق الحدود الثقافية التي يصعب تحديد كنها على وجه الدقة، ذلك انها تبقى حدودا افتراضية وليست خطية، لكنها حاسمة لفهم الاحتكاكات وآليات التحول التي تحصل بين الجماعات السكانية ولحل الاشكالات التي تنشأ عنها عبر التاريخ أيضا.
واعتبر اسماعيل أن الإشكالية في الحالة السودانية معقدة ومتنوعة بتنوع الثقافات التي تتعايش على أرضه، وأنها تكمن في أحد جوانبها، في الإجابة عن سؤال الهوية الكبير بشقيه العربي والأفريقي وأن هذه الإشكالية الموغلة في القدم قد تفضي إلى فهم أفضل للخارطة الثقافية في السودان متعدد الثقافات، في مشهد قائم على التعددية التى خلقت تبايناً واضحاً في العادات والتقاليد والطقوس واللهجات واللغات، في بلد متعدد الثقافات والديانات والأعراق والأقاليم الجغرافية أصلا، ظهرت فيه دويلات وممالك قديمة على غرار مملكة كوش التي امتدت حتى الديار المصرية والحدود الليبية.
لكن دراسة الباحث والأكاديمي السوداني، لا تعني في المقام الأول بتاريخ السودان بقدر ما تعنى بحاضره، حيث تبدأ هذه الدراسة مع بداية ظهور الدولة الحديثة في عام 1889 على يد الاستعمار الانجليزي اعتمادا على مفهوم المركز والهامش أو الأطراف، فقبل هذا التاريخ كانت تسود البلاد حالة ما قبل الدولة التي اتسمت بالهجرات الداخلية والخارجية لا سيما في عهد «الإمبراطورية العربية الاسلامية» والدويلات والممالك المسيحية.
وأكد إسماعيل أنه عندما ظهرت الدولة المركزية، قامت بترتيب العلاقات بين الجماعات السكانية وإدخال الأبعاد الرمزية للسلطة في النسيج الثقافي، حيث كان هناك ايام الأتراك سيادة للثقافة العربية الاسلامية، لكن مع مجيء الاستعمار الانجليزي شهد السودان نوعا آخر من المركزية، تم على اساسها انشاء دولة حديثة بأهداف محددة تتعلق باستغلال الناس وتحقيق مصالح المستعمر.
حيث سادت طريقة حكم غير مباشرة تعتمد على جماعات محلية إلى ان تبلورت هوية السودان الحديث بصفته دولة عربية اسلامية، لكن في الآونة الأخيرة بدأ الحديث يدور عن تعددية السودان حيث ظهر في ستينيات وخمسينيات القرن الماضي أدب الغابة والصحراء وصولا إلى سودان اليوم.
أما الاستنتاج الذي خلص إليه الباحث فيقوم على فكرة أن الدولة الحديثة في السودان قامت دون الأخذ في الاعتبار التطور الطبيعي والتاريخي للجماعات السكانية المكونة له، إذ يرى في فرض اللغة العربية على تلك الجماعات اشكالية كبيرة ساهمت في تمرير مشروع العروبة في السودان.
وحذر من أن استمرار الأوضاع على حالها سيقود بالضرورة إلى انسلاخ الجنوب ودار فور والنوبة وغيرها من اقاليم السودان عن المركز المتمثل في الخرطوم، كما قام الدكتور عمر عبد العزيز قبل المحاضرة بافتتاح معرض الفنانة التشكيلية هدى سعيد سيف الذي يضم 20 لوحة تحت عنون «حوار صامت» ويستمر حتى 7 اكتوبر الجاري.
أعمال سيف مسكونة في المكان والبيئة المحيطة وتنم عن نظرة فلسفية عميقة في تناول مختلف المواضيع التي تطرحها عبر هذه الأعمال، التي يتكرر فيها شكل الدائرة الهندسي، مما يوحي بتوق الفنانة إلى عالم اللانهائيات، وعلى الرغم من استخدامها لعناصر من البيئة المعاصرة عموما والتقليدية خصوصا والمستمدة من المجتمع الإماراتي، إلا ان الفنانة تحاول رسم صورة مشرقة للمستقبل عن طريق استخدام الأشكال الهندسية بمختلف أنواعها مع التركيز على الدائرة طبعا؟
التراث لم يغب عن أعمال الفنانة بل إنه حاضر بقوة بوصفه صيرورة ملموسة يتلمسها الناس في حياتهم اليومية بما فيها من أدوات اكسسوارات وقطع خشبية وايضا بعض القطع الحادة التي صيغت في شكل حوار داخلي ترى سيف انه يعزز من رؤيتها للمستقبل بوصفه قابلا لاحتمالات كثيرة، تخضع لرؤية الفنان وتقيم علاقة مع الذات والآخر من خلال الفن الذي يشكل مدخلا لحوار الثقافات ورسم معالم اللحظة الراهنة في حوارية مع مفردات الماضي والمستقبل مرورا بالحاضر المعاش.
الشارقة ـ باسل ابو حمدة

