لا تعتبر التغيرات المناخية استثناء للقاعدة القائلة «إن مصائب قوم عند قوم فوائد»، على الرغم من كثرة الحديث عن مشكلاتها المستقبلية، التي باتت تقض مضجع المتابعين والمراقبين على امتداد العالم، غير أن هذه المشكلات لا تعد مؤرقة بالنسبة لعلماء الآثار الذين حققوا مكاسب كبيرة نتيجة لارتفاع درجات حرارة الأرض، فقد اكتشفوا أن ذوبان جليد المناطق القطبية وشبه القطبية كشف عن كثير من التحف الأثرية القديمة التي غطتها طبقات الجليد الكثيفة لآلاف السنين.

وتقدم تلك الاكتشافات تصوراً غنياً للناس حول سلوك الأسلاف، غير أن ذلك له ثمن لا يستهان به، إذ إن على علماء الآثار أن يسابقوا الزمن لكي يصلوا إلى كل تلك الآثار، وخاصة الخشبية منها، قبل أن تؤثر فيها عوامل الطقس.

حيث إن القطع الجليدية الضخمة تتفكك بسرعة كبيرة مبتعدة عن بعضها لتكشف عن قطع أثرية كثيرة، كانت مدفونة تحت الطبقات الجليدية، وما لم يتمكن علماء الآثار من الوصول إليها بسرعة، فقد تؤول إلى الدمار في وقت قصير، إذ أن الخشب يتحلل خلال سنوات قلائل من مكثه في العراء، أما الريش النادر المستخدم في أقواس الصيد وفي الملبوسات الجلدية والصوفية، فقد يتعفن خلال أيام قليلة، ما لم يتم حفظه في ثلاجة، لهذا تجد علماء الآثار ينطلقون في سباق مع الزمن للوصول إلى تلك القطع القيمة من الناحية التاريخية.

وجاء في تقرير نشرته صحيفة «أوبزيرفر» أخيراً أنه في منطقة «جفونا» النرويجية، وبسبب تراجع القطعة الجليدية الضخمة هناك، وجد علماء الآثار معدات صيد كثيرة كان أسلاف الفايكنغ يستخدمونها لصيد حيوانات الرنة، وتقول لارس بيلو، قائدة إحدى الفرق الأثرية: «إن المنطقة لم تشهد انحساراً للجليد منذ قرون عديدة كالذي تشهده اليوم، لهذا يتعين على الباحثين الإسراع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تلك التحف النادرة».

كما عثرت البعثات الأثرية في جبال «جوتنهيمن» النرويجية على حذاء جلدي عمره 3400 عام ومجموعة كبيرة من معدات صيد الرنة، تشتمل على عصي خاصة لطرد الرنة باتجاه الصيادين الرماة وأقواس وسهام، وكل هذه الأمور تدل، بحسب بيلو، على أن النرويج كانت مجتمعاً منظماً قبل 1500 عام، أي مع بداية عصر الظلمات، حيث إن معدات الصيد من عصي وأقواس أوحت بوجود تعاون وعمل جماعيين بين الصيادين.

وتوضح بيلو أن هدف البعثات الأثرية يتركز على عمليات إنقاذ تلك التحف والآثار من الضياع، حيث إن وتيرة الانحسار الجليدي سريعة، وتضيف إنها على علم بأن الكثير من الآثار قد فقد، بسبب عدم وجود طواقم كافية لتغطية المناطق التي انحسر عنها الجليد.

لا تعتبر النرويج المكان الوحيد في العالم الذي تم العثور فيه على آثار كانت مدفونة تحت طبقات الجليد، فقد عثر العلماء على قطع أثرية في مناطق كثيرة على امتداد العالم، من ألاسكا وحتى سيبيريا، فعلى سبيل المثال، تم العثور على الرجل الجليدي الإيطالي «أوتسي»، الذي قتل نتيجة لسهم أصابه بجرح مميت قبل 5 آلاف عام تقريباً، وُجد في منطقة ثلجية في جبال الألب أخيراً.

يقول البروفسور باتريك هنت، من جامعة ستانفورد في ولاية كاليفورنيا الأميركية، الذي يحاول كشف أسرار غزو القائد القرطاجي هنيبعل لإيطاليا عام 218 قبل الميلاد بجيش من الجنود والفيلة، يقول إن مستويات انحسار الجليد في جبال الألب تثير الشعور بالخوف في نفوس الاختصاصيين.

ويوضح إن هذا الصيف هو الأول له الذي لا يتعرض فيه لتساقط الثلوج أو الأمطار، منذ أن بدأ التنقيبات الأثرية، هو وفريقه،عام 1994 على ارتفاع 800 م فوق سطح البحر، ويتوقع لهذا أن يتم العثور على مزيد من الأعمال اليدوية والتحف الأثرية في المستقبل. غير أن كثيراً من الباحثين والمهتمين يبدون الحسرة والحزن على الكنوز، التي من المرجح أنها فقدت نتيجة عجز العلماء عن الوصول إليها، أو تلفها.

إعداد: يوسف جباعته