في مكان غير معلن في بنما، يوجد 68 خزان مياه ضخم داخل ما يشبه القلعة الحصينة، حيث لا يمكن الدخول من الأبواب الفولاذية السميكة إلا عن طريق استخدام كلمة السر، وزيادة في الحرص فهناك أجهزة استشعار للحركة ترقب كل زوايا المكان، وللوصول إلى هذه البناية الحصينة، ينبغي على الزائر أن يجتاز سوراً تعلوه الأسلاك الشائكة وكاميرات مراقبة كثيرة.

هذه البناية ليست مرتبطة بأفلام جيمس بوند، كما قد يتبادر لذهن القارئ لأول وهلة، إنما هي منشأة تملكها مؤسسة «أكوا باونتي تكنولوجيز» الأميركية الساعية للحصول على أول موافقة رسمية من نوعها في العالم لبيع وتسويق السمك المعدل جينياً لبني البشر، أما فيما يتعلق بسلامة تلك الأسماك وأمنها على الصحة العامة فلا يزال موضع نقاش بين الباحثين والعلماء، كما أن هيئة الدواء والغذاء الأميركية تدرس مقترحات المؤسسة للسماح لها ببيع السلمون المعدل، القادر على التكاثر بنسبة تبلغ ضعف السمك العادي.

وتنتظر معظم الهيئات الرقابية في العالم قرارات وتوصيات هيئة الغذاء والدواء الأميركية، حيال هذا الأمر، وفي حال منحت الهيئة الضوء الأخضر لمؤسسة «أكوا باونتي تكنولوجيز» فإن ذلك سيكون له أثر كبير على صناعة الغذاء في العالم، وستحذو مؤسسات كثيرة، من الصين وحتى كوبا، حذو «أكوا باونتي تكنولوجيز»، التي تعتبر سباقة في هذا المجال، كما يقول إريك هالرمان، اختصاصي علم وراثة الأسماك في معهد بوليتكنيك فيرجينيا.

وتدين أسماك أحواض «أكوا باونتي تكنولوجيز» بالفضل في تكاثرها السريع إلى جين هرموني موجود تحديداً في سمك السلمون من فصيلة «شينوك»، ومن المتوقع أن تكون تلك الأسماك أول كائنات حية معدلة جينياً في العالم تتم الموافقة على بيعها واستهلاكها بشكل رسمي.

والجدل العلمي الذي يدور حول هذا الأمر لا يتعلق بسلامة تناول لحمها، فقد أثبتت المختبرات التابعة لهيئة الغذاء والدواء الأميركية سلامته، وإنما هو متعلق بأمر آخر قد يكون أكثر خطورة، وهو أن تلك الأسماك لو اختلطت بأسماك البحار المفتوحة، وتكاثرت معها، فإنها ستنتج أجيالاً قدرتها أضعف على البقاء، وهذا ما حدث بالنسبة لعدد كبير من أسماك سلمون المحيط الأطلسي، التي تمت تربيتها في شباك مثبتة على ساحل البحر.

ونجحت في الإفلات من سجنها وتكاثرت مع أسماك سلمون أخرى، لهذا فقد واجهت مؤسسة «أكوا باونتي تكنولوجيز» عوائق كبيرة في محاولتها تسويق أسماكها للأسواق، وهذا ما دفعها لأن تربي الأسماك في أحواض مغلقة بعيدة عن البحر، بخلاف ما كانت تقتضيه الخطة قبل عشر سنوات، حيث كانت المؤسسة تعتزم تربية وتعديل الأسماك في أقفاص وشباك على الساحل، وكان احتمال هروبها إلى المياه المفتوحة وارداً.

أضف إلى هذا أن مؤسسة «أكوا باونتي تكنولوجيز» تطمئن الهيئات الرقابية إلى أن الأسماك الناتجة عن عملية التعديل ستكون أسماكاً عقيمة، ولا خطر في اختلاطها بأسماك المحيط الأخرى، هذا في حال تم ذلك وهربت، لكن أنى لها ذلك وهي تعيش في تلك القلعة الحصينة؟

أما بيوض تلك الأسماك فقد تم جلبها من منشأة حصينة مماثلة في كندا، وتنتج عن تخصيب تلك البويضات بوقت قصير كروموسومات ثلاثية الصبغة، وأسماك عقيمة.

يقول رئيس شركة «أكوا باونتي تكنولوجيز» إنهم راعوا اهتمامات الناس واحتياجاتهم بشكل كبير، ويتفق قوله هذا مع رأي خبراء تقييم المخاطر البيئية، لكن المشكلة تكمن في أن المستقبل قد يحمل مخاطر غير محددة، حيث إنه في حالة نجاح «أكوا باونتي تكنولوجيز» فإنها ستبدأ تصدير بيوض أسماكها لمؤسسات أخرى على امتداد العالم تسعى لتقليد ذلك العمل، دون وجود رقابة رصينة عليها.

لا تعد أسماك السلمون الوحيدة التي تجري عليها التعديلات الجينية، حيث إن منشآت كثيرة في الولايات المتحدة ودول أخرى تعكف في الوقت الحالي على تعديل أسماك أخرى، ويقوم حالياً ركس دونهام من جامعة أوبورن في ولاية ألاباما الأميركية على تجارب لتعديل نوع من أسماك السلور القادر على التكاثر بسرعة، ومقاومة الأمراض البكتيرية.