تتواصل «البيان» أسبوعياً مع قرائها عبر رحلة مع نخبة من المستشرقين، المتميزين بمكانتهم العلمية الرفيعة، وروحيتهم الموضوعية المنصفة، في إضاءة فضل العرب والمسلمين، بكنوزهم المعرفية في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء والآداب، على نهضة الحضارة الأوروبية والغربية، الممتدة من قلب الأندلس غرباً، إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهموا في إطلاق عصر النهضة، وتطور علوم البشرية في العصر الحديث.
هذه الشهادات الموثقة لهؤلاء المستشرقين المنحدرين من قارات العالم الخمس، بمؤلفاتهم وترجماتهم وسيرهم، تؤرّخ لعلومنا وآدابنا، وتنير الجسر الرابط بين ماضينا وحاضرنا.يؤكد المستشرق الإنجليزي السير وليم جونز، أنه جاء إلى دراسة اللغة العربية عن طريق المصادفة، ولكن سرعان ما تحولت هذه المصادفة إلى ضرورة بحيث كرس حياته لها درساً وتأليفاً وترجمة، فهو يقول بهذا الصدد: «لا أعرف ما الذي جذبني لدراسة الأدب العربي، وإن كان قد لفت نظري أن إسبانيا تعرّبت تماماً بعد أن دخلها العرب». وهنا يسعى لأن يوضح تأثير الثقافة العربية والإسلامية على دولة أوروبية مثل إسبانيا، وهو ما يمثل قوة الثقافة العربية والإسلامية وقدرتها على اختراق الثقافات الأخرى.
وما حققه جونز يعطيه مكانة مرموقة في عالم الاستشراق لأنه وضع أسسه الحديثة، من خلال إعطاء الأعمال التي تعامل معها، فرادة وأصالة حقيقيتين. وكان يقدر الثقافة العربية الأصيلة التي لم تظهر تجلياتها في القرن التاسع عشر أو القرن العشرين، بل في القرن الحادي عشر أو الثاني عشر، لأن الثقافة العربية وصلت في هذين العصرين إلى أوج ازدهارها وتقدمها، وهي بشكل من الأشكال، صالحة لكل العصور لأنها تنتمي إلى التقاليد الكلاسيكية في التعبير. ولهذا السبب قام بترجمة روائع الأدب العربي والفارسي، منها:
المعلقات، وشعر الشاعر الفارسي المشهور حافظ ورباعيات عمر الخيام مع المحافظة على الإيقاع والوزن الانجليزيين. وبالإضافة إلى ذلك، فهو أول من انتبه إلى المبدعين الأندلسيين من الشعراء والكتّاب على سبيل المثال: أبي الحسن الششتري وابن زمرك وابن الخطيب، وشارك في تحقيق كتاب «المقتبس» لجابر بن حيان.
المعلقات على الأوزان الانجليزية
ترجم جونز المعلقات السبع ترجمة خاصة، بأسلوب جديد، لم يسبقه أحد في ذلك، وهي ترجمة ريادية بكل المقاييس، وتعتبر أول ترجمة إلى اللغة الأوروبية. ولم تكن أول ترجمة فحسب، بل الوحيدة الكاملة بالإنجليزية.
ومن الناحية التاريخية، فقد ترجمت المعلقات إلى اللاتينية أولاً، ثم من اللاتينية إلى اللغات الغربية خلال القرن الثامن عشر.. وترجمة جونز نثرية وبلغة القرن الثامن عشر، لغة مؤدبة ولاتينية توحي قليلاً بعنفوان الأصل العربي.
ولأهميتها، ضمها كلستون في مختارات الأدب العربي عام 1881، ولم تظهر أي ترجمة منافسة منذ ذلك الحين. والترجمة الوحيدة الأخرى كانت ترجمة حرفية في نثر غير مزخرف قام بها الكابتن جونسون في بومباي وطبعت بعد سنوات لفائدة الطلبة الهنود.
وقام بكتابة مقدمة موجزة لكل معلقة، يشرح فيها الوزن والإيقاع والمعنى وما يقابله من أوزان انجليزية من جهة والمعاني والتشبيهات والمجاز من ناحية أخرى.
واستلهم من المعلقات كتابتها بالحرف اللاتيني حتى يتذوقها الأوروبيون الذين لا يجيدون قراءة اللغة العربية أي قراءتها مثل قراءة اللغة الانجليزية. ولم يكن العالم الإنجليزية والأوروبي على علم بهذه المعلقات، في عام 1772 ، تاريخ ترجمته، وهي محفوظة الآن فكان لها التأثير الكبير في الأوساط الثقافية والأكاديمية، حيث أعطت ترجمته رؤية كاملة عن الشعر العربي القديم، الذي شبهه بملحمة إلياذة هوميروس، ومضامينها الفكرية والأدبية الجديدة.
وهي مقارنة رفعت من شأن الشعر العربي وخاصة في الغرب آنذاك الذي لم يكن ينظر إلى الثقافة العربية الإسلامية نظرة جادة، فأزال المستشرق النظرة الدونية عن الأدب العربي القديم.
ووأد أفكاره بهذا الصدد أن مؤلفي المعلقات شعراء معروفون بينما نُسبت الإلياذة إلى عدد من المؤلفين. إضافة إلى أن المعلقات تم حفظها شفوياً عبر الأجيال، الوعاء الرئيسي لحفظ التراث عند القبائل العربية في نهاية القرن السابع.
وما يخص الأخطاء التي رافقت بعض النصوص، يؤكد جونز أن «لكل قبيلة مفردات خاصة بها، استفاد منها الشعراء في القوافي وجماليات الكتابة، ولكنها سرعان ما اندمجت في لغة الناس لأنها سرت في نهر واحد، وهو نهر اللغة العربية العظيم.
وكان الشعر محط اهتمام القبائل معظم القبائل العربية بل إنها كانت تتنافس في إرسال أفضل شعرائها لتمثيلها في سوق عكاظ.
وتنبه المستشرق إلى أن «معظم هذه القصائد كانت تبدأ بذكر أطلال الحبيبة ومحاسنها، ثم الانتقال إلى وصف جواد الشاعر أو ناقته، أو مديح قبيلته وشجاعتها في سوح المعارك».
وكان أفضلها يُكتب على الحرير بأحرف ذهبية وتعلق في الكعبة، ولهذا سُميت ب«المعلقات» أو«المذهبات». وهي لا تزال محفوظة في مكتبات أوروبية عدة مثل مكتبة بودلين التي تحتوي على أربعين قصيدة منها، وهي: معلقات: امرؤ القيس، طرفة، زهير، لبيد، عنترة، عمرو والحارث.
«نيران الكرم» في أشعارهم
وتوصل جونز إلى أن الشعر الجاهلي كشف الكثير من خصال العرب الحميدة والسيئة، وكان بذلك موضوعياً ولم يركز على مدح الذات فقط كما أشار بعض النقاد الغربيين. فقد قدروا الكرم والشهامة والصبر وأزروا بالبخل والدناءة والانفعال.
وكانت أكبر مذمة تقولها قبيلة لأخرى إن رجالها لا يحبون العطاء والسخاء والكرم كانت من أهم الخصال التي ترددت في أشعار العرب القديمة. أما النساء فكن يُقدرن لجمالهن واقتصادهن.
ودرس المستشرق جونز ما ورد في الأشعار العربية القديمة من ذكر النار التي توقد على قمم التلال طوال الليل لتهدي الغريب إلى مضاربهم لذا سُميت ب«نيران الكرم».
وقيّم جونز الإسلام وما جاء به من القيم الأخلاقية التي ظلت مشعة عبر العصور، وأشار إلى الفساد الذي سبق مجيء الإسلام، بقوله: «كريمة وسخية كما قد تبدو في عقول بعض شيوخ القبائل المعروفين، لكن فساداً بائساً أصابها قبل قرن على الأقل من مجيء النبي محمد (ص).
ومن الخصال المميزة التي تفاخروا بغرسها وممارستها، هي ازدراء الثروة والتشبث بالقيم النبيلة. وقد تحوّل آنذاك سخاؤهم إلى بذخ مجنون، وشجاعتهم إلى ضراوة، وصبرهم إلى روح عنيدة لمواجهة المخاطر».
وبذلك قدم جونز دراسة وافية للشعر العربي القديم من وجهة نظر نقدية قائمة على التحلي بالروح الموضوعية والنزاهة الأكاديمية التي تميز بها في جميع أبحاثه. وهي صفة نادر توافرها عند المستشرقين، وخاصة المتعصبين منهم إزاء الإسلام وقيمه السامية.
العلاقة بين اللغة السنسكريتية والأوروبية
بحث المستشرق جونز في مجال «اللغويات» والروابط الموجودة بين اللغات، وخاصة تلك التي تعود إلى أصل لغوي مشترك. كما درس طرق التشابه في الأشكال التصريفية والصوتية والتاريخية والمتشابهة بين اللغة السنسكريتية واللغات الأخرى. فقد أشار جونز في عام 1786 لوجود ظواهر مشتركة بينها وبين بعض اللغات الأوروبية.
وقد اكتشف جونز اللغة السنسكريتية في القرن الثامن عشر، وجود التقارب الكبير بينها وبين اللغات الأوروبية، الأمر الذي دعا الأوروبيين إلى الاعتراف بوجود أسرة اللغات الهندو أوروبية. وقام بترجمة بعض المسرحيات الهندية التي كُتبت بهذه اللغة، وخاصة من أدباء الهند القديمة.
شاكر نوري


