على الرغم من استحداث مراكز التسوق التي تتباهى دبي بتشييدها، إلا أن الأسواق الشعبية لا تزال محافظة على رونقها ومكانتها الهامة بالنسبة لفئات اجتماعية وجنسيات مختلفة، وتشهد إقبالا كثيفا منهم على مدار السنة، الأمر الذي يعكس حفاظ دبي على هويتها التراثية وقيمتها التاريخية وتألقها في الجانب التقليدي والشعبي جنباً إلى جنب مع الحضاري والعصري المتطور.

إضافة إلى اهتمامها بترسيخ مفهوم تعايش القديم والحديث بصورة متناغمة لا تخدش جمال الحياة فيها، باعتبارها توفر حزمة من الخيارات في كل جوانب العيش والرفاهية، ما ينطبق على حال الأسواق المتنوعة والمتعددة فيها.وتشكل الأسواق الشعبية في دبي تحفاً معمارية موزعة على ضفاف خور دبي وحاراتها وأزقتها، وتتمتع بطابع تراثي تبرز معالمها في إطار حضاري يعكس النمط المحلي المتميز بالكتل المصمتة والزخارف القديمة والتجويفات التي تنسجم مع تاريخ الأسواق الشعبية التراثية بدبي.

ومن أبرز المعالم التي تتيحها الأسواق الشعبية القديمة بدبي الراحة وتدني الأسعار التي تتناسب مع مختلف الفئات والمستويات وتنوع البضائع واختلاف الوجوه، فالتجول في الأسواق الشعبية يعتبر متعة بحد ذاته.

حيث تشهد انتعاشا كبيرا في كل مواسم السنة وتنشط الحركة فيه باعتبارها من أهم الفعاليات التي تثير اهتمام الزوار الذين يحرصون على الاطلاع على الوجه التقليدي لدبي، ومما يزيد من تألق الأسواق الشعبية القديمة، استخدام العبرة للتنقل بين منطقة السوق القديم ومنطقة الراس باعتبارهما من أبرز الأسواق القديمة التي ترسخ صورة من صور نمط الحياة في دبي من خلال التفتح الثقافي والتواصل مع الآخرين من مختلف الجنسيات.

ارتباط بالماضي

تقول فاطمة عبيد ـ ربة بيت إن الأسواق الشعبية لها وقع مختلف بالنسبة لغالبية الناس الذين يرتبطون بدبي منذ القدم، فالمناطق التي تحتضنها الأسواق الشعبية كانت قريبة من أماكن سكنهم، منها السوق القديم في بر دبي الذي كان قريباً من منطقة الشندغة حيث كانت تقطن مع أسرتها الممتدة، فالسوق القديم لا يعد سوقا لبيع البضائع والسلع، بل هو ملتقى الشعوب وصندوق الذكريات الجميلة.

ولا تزال تحرص على زيارة السوق لما فيه من منتجات كالأقمشة التي تحرص على شرائها من الأسواق الشعبية بدلاً من مراكز التسوق الحديثة، مشيرة إلى أن الأسواق الشعبية حافلة بالذكريات والبضائع التي لا تستغني عنها المرأة الإماراتية، فهي تقدم سلسلة طويلة من الأقمشة والعطور الشرقية ومحلات التطريز، ناهيك عن قربها من سوق الذهب الذي يعد من أبرز معالم التسوق الهامة في دبي، ويرمز إلى مكانتها كمدينة للذهب.

وأضافت أن غالبية الناس سواء المواطنين أو المقيمين في دبي والإمارات الأخرى، أو من دول الخليج يعرفون أهمية الأسواق القديمة فلا يستغنون عنها، ومنهم من يفضل الشراء من تلك الأسواق لاعتياده على الحياة البسيطة والاختلاط بجنسيات مختلفة جنبا إلى جنب مع منافسة الأسعار ومكاسرتها للوصول إلى السعر الذي يرضي البائع والمشتري.

وعلى الرغم من الأسعار الزهيدة التي تميز الأسواق الشعبية، إلا أنها لا تسلم من تدخل الزبائن الذين يجدون ضالتهم في السوق القديم ولا يتنازلون عن مبدأهم في الحصول على سعر يحدده المشتري وليس البائع.

ولا يقتصر الأمر على هذا الحد بل يشتري البعض ما لا يحتاجونه نتيجة التنوع الكبير في البضائع والأسعار المغرية، لافتة إلى أنها تحرص على التسوق في المراكز التجارية فهي مكملة لمفهوم التسوق في دبي، ولكل منها طابع يختلف عن الآخر ما يؤدي إلى قيامها بزيارة الأسواق الشعبية والمراكز التجارية للشراء حسب ما يتطلبه الأمر.

خيارات متنوعة

وأشارت أم سعيد - ربة بيت إلى أنها لا تستغني عن الأسواق الشعبية التي تزخر بالكثير من الخيارات، حيث تحرص على شراء الأقمشة من الأسواق الشعبية القديمة وبالتحديد من السوق الواقع بمحاذاة سوق نايف من الجهة الشرقية، فالسوق في هذا المكان يعج بالقماش الغالي والرخيص وذي الجودة العالية.

ابتداء من القطن والشيفون بمختلف أشكاله وأنواعه، انتهاء بالحرير المطبع والسادة والمطرز وغيرها، فمنطقة نايف لا تحتضن سوق نايف المعروف فقط، بل هناك مداخل وممرات سحرية يأخذك بريقها إلى عالم آخر، فحاراتها وسكيكها القديمة تحتضن محلات مختلفة البضائع وبأسعار تنافسية، منها الإكسسوارات وأدوات المنزل والعطور ومحلات التطريز وغيرها من المحلات المتعددة المنتجات والسلع.

وأوضحت أن زيارتها للأسواق الشعبية تزداد في موسم الأعياد والمناسبات مثل الأعراس، فالتنوع وتلاصق المحلات في مكان واحد يسهل عملية التسوق، حيث تبدأ بشراء الأقمشة وتعرج على «المخور» أو محل التطريز وهي في طريقها إلى محل العطور الشرقية الذي تتعامل معه منذ سنوات لخلط العطور العربية والحصول على مخلط خاص بها.

كما أن جميع البضائع تتفاوت في المعروض والأسعار ولكنها تتناسب مع جميع المستويات، فهناك الزهيد والغالي، والكل خاضع لشطارة الزبون في «المكاسر» أو التفاوض، الأمر الذي تفتقده المحلات في المراكز التجارية باعتبارها تخضع لسعر ثابت غير قابل للتفاوض، قائلة إن رحلة التسوق في الأسواق الشعبية في ديرة كسوق نايف وعكاظ ومرشد والذهب تعد نزهة جميلة تشدها أصوات بائعي العصائر وقناني المياه المعدنية الباردة ورائحة المكان العتيق العابقة بالبخور والعطور الشرقية والحلوى العمانية والتوابل.

الأسواق القديمة في دبي.. مقصد السياح

تحتفظ الأسواق الشعبية في دبي بقدرتها على اجتذاب السياح وأبناء دول الخليج والأفارقة الذين يقبلون بكثرة على شراء الملابس بالجملة، ما يجعلها تشكل وعاء ثقافياً واجتماعياً وتراثياً، فتمتد محلاتها على امتداد خور دبي بضفتيه، لتعكس حال المجتمع المترابط والبسيط، فالمراكز التجارية بتنوعها وتعدد أدوارها وأنشطتها، لم تستطيع محو الأسواق التقليدية القديمة من على خارطة دبي، بل تفخر دبي بها وتوليها اهتماما كبيرا في تطوير واجهاتها وتحسين مداخلها وممراتها دون انتقاص من وزنها ومكانتها أو طمس لتاريخها وتراثها.

ويحتضن السوق القديم ببر دبي والسوق الكبير في ديرة سوق التوابل والبهارات والأعشاب الطبيعية وسوق الجملة والأقمشة والمنسوجات والأدوات المنزلية والعاب الأطفال، وسوق الذهب المرتكز في أوصال السوق الكبير المتوغلة عبر ممرات ومنافذ مخططة ومرسومة ضمن مسارات دقيقة ومتفرعة، يليه سوق مرشد الذي انطلقت من شوارعه أهم محلات العطور الشرقية والملابس النسائية لتثبت وجودها في المراكز التجارية الحديثة، ناهيك عن سوق عكاظ والمحلات المحيطة به، وصولا إلى سوق نايف الذي يعد من أقدم الأسواق في دبي وأكثرها شعبية، وجميعها تتشابه في الخصائص والعادات المتأصلة في البيع والشراء والجلبة وأصوات البائعين وصخبهم اليومي.

دبي ـ نادية إبراهيم: