تميل غالبية أعمال الفنانة الإماراتية الشابة ميسون آل صالح، من حيث البعد التشكيلي، إلى النزعة السريالية الصرفة، حيث تغلب عليها التصورات الخيالية غير البعيدة تماما عن دنيا الأحلام، في محاولة ناجحة لخلق عوالم غريبة عن الواقع، من خلال اعتماد أشكال لعظام وجماجم بشرية بصورة أساسية.
أما من حيث المضامين، التي تصنف من خلالها المدرسة السريالية نفسها، فإن تلك الأعمال ترصد مظاهر واقعية بحتة تحدث بين ظهرانينا في كل ساعة ودقيقة، فما هو المغزى يا ترى إن كنا قد أصبنا في تحليل هذا المنتج الإبداعي الوليد الذي يبدو أنه يشق طريقه صعودا؟ وذلك إذا ما أخذنا في الاعتبار حداثة تجربة آل صالح، ولاسيما إذا علمنا أن معرضها «الجانب المشرق من العظام»، الذي فتح أبوابه أمام الزوار، مساء أول من أمس، في مركز مرايا للفنون، في القصباء بالشارقة، هو أول معرض فردي لها.
ربما لا يجدر بذل كثير عناء في محاولة قراءة المدرسة أو المدارس الفنية التي تنتمي إليها أعمال فنية مثل هذه. فرسالتها واضحة ومسارها لا لبس فيه طالما أنها تقدم للمتلقي جرعة لا بأس بها من الجماليات الإنسانية على طبق فني.
قد لا يختلف اثنان على الجهد الإبداعي المبذول في إعداده على نحو يليق بفحوى ومبتغى تلك الرسالة، الانسان، ومن غيره يستطيع دفع هذه الفنانة إلى خوض هذه المغامرة، التي لا تخلو من تشويق ولا من مخاطر، كما أنه ربما ما كان يجب التوغل إلى هذا المستوى من التعقيد في محاولة التحليل الفنية، بعيدا عن بساطة وشفافية شخصية الفنانة نفسها، والتي تختزل كل تلك المحاولات في وضوح الغاية وبساطة وسيلة التعبير عنها، بكل هذا العمق الخالي من التعقيد.
12 عملاً فنياً
يضم «الجانب المشرق من العظام»، الذي يستمر عرضه شهرا كاملا، 12 عملا فنيا، تمثل عشر لوحات وعملين ينتميان إلى ما يعرف بال«ميكس ميديا»، وجميعها أعمال متوسطة الحجم، ما عدا لوحة واحدة هي أقرب إلى الجدارية، وتحمل عنوان «مدنية مجردة» (ستريبد أوربانسيم)، حيث يصل طولها إلى عشرة أمتار تقريبا وارتفاعها إلى متر واحد، وهي عبارة عن بانوراما شاملة للمجتمع الإماراتي، تعكس نبض الحياة فيه من الناحية العمرانية والسكانية، حيث يتعايش الناس فيه على مختلف مشاربهم، صغارا وكبارا، بسلام ووئام وتآخ ومساواة.
موضوعات متنوعة
نظرة أولى على أعمال المعرض توحي أنها جميعا مشغولة باللونين الأبيض والأسود، لكن نظرة فاحصة قليلا تظهر خيوطا أو ضربات فرشات تخترق طغيان هذين اللونين، وتنبئ بوجود ألوان أو خيوط لونية أخرى مثل الأصفر والبني، وذلك لإضفاء مزيد من الحيوية على التكوينات الأساسية المعتمدة فيها.
حيث استخدمت الفنانة مادة الأكرليك في رسمها على كانفس، لكن تلك الألوان التي تكسر في بعض الأحيان حدة الأبيض والأسود، تخرج من قلب اللوحة إذ لجأت الفنانة إلى تأسيس أعمالها بها، قبل أن تخط الأشكال النهائية المراد إظهارها فيها.
تتناول أعمال الفنانة ميسون مختلف الموضوعات التي تشغل بال الناس في هذا العصر الرقمي، فيلاحظ تكرار لأجهزة الهاتف المحمول في أكثر من لوحة، لا بل إن أحدها يحمل عنوان «بلاك بيري»، وآخر «حمية غذائية» يعكس نزوع الناس إلى تخفيف أوزانهم في هذا الزمن الذي يمليون فيه إلى الخمول، فضلا عن أنه يطرح فكرة تدعو الفنانة من خلالها المتلقي إلى الابتعاد عن الأنظمة والعادات الغذائية المستوردة، التي قد تتسبب له بمشكلات صحية، وإلى اختيار النظام الغذائي النابع من بيئته.
كما يبرز الوطن والروح الوطنية في هذه الأعمال، والتي يحمل أحدها عنوان «النصر» ويصور مواطنا بلباسه التقليدي يتدلى من رقبته علم البلاد وقد كتب عليه الأحرف الأولى من الإمارات العربية المتحدة باللغة الانجليزية، ورسم على الجهة المقابلة منه قلب حب.
الشارقة ـ «البيان»
