مازال هناك من يقف على خط الضد من قصيدة النثر، ومازال من ينكرها وينكر منجزها بعد خمسين عاما من ضرب حضورها في ساحة الأدب العربي، ومازال هؤلاء يرفعون الصوت عاليا تحت ذريعة الثابت أكثر أصالة من المتحول، فيما مازال هناك أيضا من يقف أمامها مفتديا متغنيا بمنجزاتها وأبطالها الذين أقاموا فتوحاتها في ساحة، وانحازوا لجمهور الشعر بعيدا عن قيد الأشكال، ويبدو أن الجدل بين خطي التضاد مازال قائما وسيبقى.

ففي بيت الشعر بالشارقة، أول من أمس، فجرت مداخلة الدكتور بهجت الحديثي مدير البيت، ردا على ما ذكره الشاعر يوسف ابو لوز والقاص عبد الفتاح صبري في حق منجزات قصيدة النثر حوارات متشابكة، متضادة ومتقاطعة.

وانقسم الحضور إلى مدافع عن قصيدة النثر، وبين من استل سيفه ليجز عنقها، ملوحا بجذور الأصالة وبالتقاليد الصارمة لحكم العروض الذي اقامها منذ أن أقامت العرب خيمة الشعر، حينما ذكر أن مستقبل قصيدة النثر آيل إلى الموت، مثلما ماتت محاولات شعرية وأدبية خلال مسيرة تاريخ الشعر والأدب العربيين، وقال الحديثي إن قصيدة النثر، لم تستطع حتى اليوم أن تثبت أصالتها وأصولها وستذهب في يوم ما مع الريح.

رواد

وكان بيت الشعر قد نظم ندوة تحت عنوان (قصيدة النثر إلى أين) أدارها حماد عبد اللطيف وتحدث فيها الشاعر يوسف أبو لوز مؤكدا على أن الشعر أو الشعرية هما الأساس والتقسيمات والتوصيفات ما هي إلا أشكال.

وقال: إننا نجد في الشعر العمودي وفي شعر التفعيلة ما هو متألق وكبير ونجد فيه الرديء الذي لا يحمل أي معنى، سوى انه نظم، وهذا ينطبق على قصيدة النثر، في مسيرتها خلال خمسين عاما، فهناك قصيدة نثر مشرقة ومنيرة وعالية المقام وهناك قصيدة نثر ليست سوى تهويمات، لكن لا يمكن إنكار ما حققته قصيدة النثر من منجز على الساحة العربية.

وقال: إن النثر الفني انقرض بعدما رحل الكبار عنه من أمثال التوحيدي وسواه، لكن الشعر تطور بتطور الإنسان وتعاطيه مع بيئته، حتى وصل إلى قصيدة النثر، وضرب أبو لوز أمثلة على رواد هذا الضرب من الشعر والذين أضافوا إليها القا وتاريخا من أمثال انسي الحاج، ادونيس، سركون بولص، بسام حجار وغيرهم.

وأكد ابو لوز على أن تجربة الشعر الحداثية في منطقة الخليج، في غاية الأهمية وتقف على منصة ما وصلت إليه البؤر المركزية في الثقافة العربية، مثل مصر وسوريا ولبنان، إذ إن منجزات قصيدة النثر عند شعراء الخليج، وبعضهم بالذات قد وصلت إلى التفوق على المركز.

ولا يمكن إغفالها عند قراءة تاريخ ومنجزات قصيدة النثر العربية، ويمكن القول إن قصيدة النثر تطورت في منطقة الخليج في أربعة أماكن هي البحرين والسعودية والإمارات وعمان، ففي البحرين هناك تجربة نثرية غنية لا يمكن أن يستهان بها، فقد قرأنا قاسم حداد باكرا وتعرفنا على شعره النثري، وأمين صالح..

وفي الإمارات تجربة كبيرة لقصيدة النثر رفعتها مجموعة من الأسماء التي انتشر بعضها على مستوى الوطن العربي، فهناك احمد راشد ثاني، وعبد العزيز جاسم، وخالد البدرو ونجوم الغانم، سعد جمعة وعادل خزام وخلود المعلا، وغيرها من الأسماء، وكلها قدمت تجارب كبيرة ولابد من الإشادة بها على صعيد منجز قصيدة النثر.

وفي عمان هناك سيف الرحبي، سماء عيسى، محمد الحارثي وغيرهم.. ومن الواجب القول إن منطقة الخليج معروفة بثقافتها المحافظة، لكنها مع هذا أنجزت شيئا مهما في قصيدة النثر.

تساؤل

من جانبه تحدث القاص عبد الفتاح صبري واضعا مداخلته في إطار أسئلة موجهة إلى واقع القصيدة النثرية، وخلص في النهاية إلى إجابة السؤال الرئيسي، قصيدة النثر إلى أين، مشيرا إلى أنها باتت راسخة في الثقافة والأدب العربيين وأنتجت حولها دراسات ووصلت الى شفافية شعرية عالية لا يمكن تغافلها، وهي بهذا ذاهبة إلى مستقبل مزدهر ومشرق.

وتساءل صبري: هل من حق قصيدة النثر العربية الوجود والحياة والانتساب إلى الشعر؟ ولماذا دوما نتوقف في حراكنا الثقافي ونرفض الجديد بذريعة التراث والأصالة والخوف من القادم، لماذا لا تنصر جهودنا للبحث في ايجابيات وجماليات قصيدة النثر ومدى اتساقها مع حدود الشعرية العربية الجديدة، رغم عدم الاتفاق أصلا على تلك الحدود مفاهيميا ونقديا؟

الشارقة ـ مرعي الحليان