يصعب على المرء تصنيف جمال باروت، فهو باحث ومفكر وناقد، جمع كل هذه التخصصات في بوتقة واحدة لأنه يؤمن بالمثقف الذي يخترق الحقول المعرفية ويعبرها جميعا، كون عصرنا الحالي لم يعد يستوعب المثقف الأحادي التوجه.

فهو يغرف الماضي، ويقيم علاقة بن الحاضر والمستقبل دون تجزئة، مشكلا بهذا المنحى والتوجه النوعي، أفق إبداع وعطاء متمايز، نجح معه في نشر ما يقرب من عشرين كتاباً أثرى بها المكتبة العربية .

يتسم باروت بنشاطه الفائق والمتعدد، فقد حاضر في كلية (سانت أنطوني) في جامعة (أوكسفورد ) في بريطانيا، عن الوحدة والانفصال، وعمل أستاذاً زائراً في مدرسة (الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية) في باريس، إضافة إلى عمله باحثاً مقيماً في (المعهد الفرنسي للشرق الأدنى)، وفي(مركز دراسات الوحدة العربية) في بيروت.

وعلى جانب مهني آخر عمل باروت منذ العام 1904 مديراً لمشاريع تنموية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، من أبرزها مشروع( سوريا 2025) الاستشرافي، وكان مديره والمؤلف الرئيس لتقاريره، وأنتج هذا المشروع ثلاثة مجلدات وأربعين بحثاً.

وفي مجال السياسات والتنمية السياسية، فهو الخبير الوطني في بناء المنتدى السوري للمنظمات التنموية غير الحكومية في سورية، وصاغ النص الأساسي لتقرير ميثاق السلوك في الأحزاب السياسية العربية، وطائفة أخرى من البحوث السياسية في قضايا التنمية.

(البيان) التقت بالمفكر جمال باروت، وطرحت عليه جملة من الأسئلة التي تتعلق بحاضرنا وماضينا ومستقبلنا:

معروف عنك اهتماماتك الأدبية، هل يجب على المفكر أن يهتم بالأدب؟

هناك في عقل كل مفكر، أديب أو شاعر قابع يتهيأ ويتحفز لأي إغراء أو طقس إبداعي، فالمشترك الكبير بين المفكر والباحث هو الكشف عن الآفاق وتوجيه الأسئلة. ومؤكد أن فعالية الكشف للاستقصاء والتساؤل هي قيمة بحثية وجمالية في آن واحد.

ولقد كانت هناك دوماً ظاهرة الفلاسفة والمفكرين الشعراء والأدباء في تاريخ الفكر في العالم. وتاريخ الإنتاج الفكري العربي شاهد على ذلك بشكل يمكننا فيه الحديث عن مصطلح (الأدب التنويري) .

ولدينا سلسلة من الرواد في هذا المجال أبرزهم : فرنسيس المراش وجبرائيل دلال والبستانيين وفرح أنطون، وصولاً إلى طه حسين. وكمثال عربي ملموس حالياً تجد لو تعمقت في الظاهرة المغربية، أن كثيراً من المفكرين والباحثين في تاريخ الفكر والفلسفة والعلوم الاجتماعية يكثرون من الكتابة الروائية.

والمعروف أن معظم العاملين في الحقل الفكري والفلسفي يكثرون من كتابة الرواية، مثل عبد الله العروي وعزمي بشارة وسعيد بن سعيد العلوي، وغيرهم. فهي تشكل ظاهرة في المغرب العربي، ولكنها ليست ظاهرة في المشرق إلا على مستوى محدود.

والعصر الحالي أصبح عصر اختراق الاختصاصات وعبورها في مقاربة تكاملية، أي بمعنى أن مقاربات منهجية متعددة وعابرة لأحادية الاختصاص. وثمة حاجة الآن للتحرر بواسطة منهج عبور الاختصاصات من الأدوات الفكرية والمصطلحية والمفاهيمية الأمريكية التي تهيمن بطريقة شبه كاملة على مناهج العلوم الاجتماعية والسياسية، وتحديداً في مجال ما يسمى ب( الدراسات الشرق أوسطية) . وهذا تعبير عن الهيمنة الاقتصادية والسياسية الأميركية في مجال البحث .

ومع ارتفاع وتيرة تحول المثقفين والمفكرين العرب إلى خبراء باسم الحرفة الأكاديمية الموجهة لواضعي السياسات، باتت تلك الأدوات هي السائدة والمهيمنة. وتكمن مشكلتها في أنها ليست مجرد أدوات إجرائية، بل تتحكم بإنتاج الأفكار والرؤى.

النهضة والحداثة

النهضة والحداثة، مصطلحان انشغل بهما العالم العربي سنوات طويلة دون أن يفلح في تحقيقهما؟ ما هو رأيك بهذه الثنائية التي لازمت تطورنا السياسي والاجتماعي؟

عادة ما يتم في تاريخ الحداثة العربية الدمج بين لحظتين، هما لحظتا التنوير والنهضة بالنسبة للتاريخ الأوروبي. وليست الحداثة مقابلاً للنهضة بل اسم آخر لها، وبهذه المماهاة فهم المفكرون والأدباء النهضويون العرب العلاقة بين النهضة والحداثة.

والواقع أن هذا العصر كان عصر الحداثة العربية بامتياز. وإذا ما أردنا أن نضع هذا العصر في سياقه التاريخي، فلا بد من أن نراه في إطار مرحلة التنظيمات العثمانية التي بدأت في العام 1839، وقامت على إعادة هيكلة الإمبراطورية العثمانية على أساس نموذج الدولة الأوروبية الحديثة.

المفكرون النهضويون العرب كانوا مفكرين تنظيميين بامتياز حين فكروا بشأن الدولة. النهضويون العرب يشتركون هنا في هذا المجال مع النهضويين الأتراك.

وفي إطار هذه النهضة مثلاً، نشأ تيار الإصلاح الإسلامي الذي شكل أحد أهم مراجع مصطفى كمال في الفصل بين الخلافة والسلطنة في البداية، والذي مهد للخطوة الحاسمة المتمثلة بإلغاء الخلافة. فكان الإصلاح الإسلامي يتضمن احتمالين، وأبرزهما انهيار التوفيقية الإصلاحية في العشرينيات من القرن الماضي.

لماذا لم تتطور العلمانية في المجتمعات العربية كما تطورت في تركيا؟

- عملية التحديث التي تمت أثناء عملية التنظيمات، أثرت تأثيراً كبيراً على الباشوات وعلى الموظفين البيروقراطيين العثمانيين الذين كانوا في غالبيتهم العظمى من الأتراك.

والنقطة الأساسية هنا أن الموظفين العرب لم يتدرجوا في المراتب العثمانية إلا في الربع الأخير في القرن التاسع عشر. ولذا أثرت التنظيمات المحلية العثمانية في وعي وممارسة النخب العثمانية العليا التركية أو المستتركة، أكثر من تأثيرها في النخب العربية التي كانت تخدم في الإدارة العثمانية أو في الجيش العثماني.

وبمعنى آخر كان هناك في إطار الدولة العثمانية، جهاز تركي قوي تحول في حرب الاستقلال الكمالية إلى الجمهورية التركية، أما العرب فكانوا ولايات عثمانية لم يتح لها فرصة التطور إلى دول، بسبب خضوعها للاستعمار وللصيغة شبه الاستعمارية، أي صيغة الانتداب. وكانت رتبة مؤلفة من مستويات متعددة، وكان أحد أهم مراتبها العليا ما يعادل رتبة الفريق في الجيش.

وهؤلاء الباشاوات (الجنرالات) كانوا مشبعين بالثقافة الحديثة، وبالمثال المؤسسي للدولة (الأمة) الأوروبية، وبمبادئ التوحيد والتنظيم والعقلنة التي يقوم عليها مفهوم الدولة الحديثة، وذلك مقابل التعدد والاعتباطية في الدولة الإمبراطورية.

وفي حرب الاستقلال العثمانية التركية، التي قادها مصطفى كمال أتاتورك، كان الأتراك يملكون مخزونا كبيراً وراسخاً من إرث الدولة المركزية، لا يقل عمره التحديثي عن تسعين عاماً، بينما لم يكن يملك العرب هذا التراث إلا بشكل محدود، وهذا على مستوى فكر النهضة العربية، مع لفحات تحديث الولايات العثمانية التي عاشوا فيها. وقد يشبه المثال التركي نظيره الفرنسي، ففي الحرب العالمية الأولى مثلاً تبينت مزايا النظام المركزي اليعقوبي الذي أنتجته الثورة الفرنسية.

فشل الأحزاب العربية

حكمت المنطقة العربية أحزاب بشرت بالتغيير ثم انقلبت عليه، وإذا بها تفقد أدواتها، هل هناك انحسار لفكرة الأحزاب العربية؟

الأحزاب العربية التقليدية تعيش اليوم نهايتها التاريخية، حيث تواجه أزمات بنيوية عنيفة تطال بنيتها التنظيمية والفكرية وقاعدتها الاجتماعية، وأساليب اتصالها وتأثيرها ومناهج وصولها إلى السلطة أو المشاركة فيها، فهي في مرحلة إعادة الهيكلة من أحزاب انقلابية تنطلق من منظورات هندسية كلية للمجتمع والدولة، إلى أحزاب من نوع آخر.

ولا نستطيع القول إنها ديمقراطية، لكنها كلها تطرح قضية التحول الديمقراطي وسط سيطرة نظم سلطوية تعيق التحول الديمقراطي والتنمية السياسية للمشاركة المجتمعية.

إذ إن عمليات الاندماج في الاقتصاد العالمي ضمن إطار العولمة، باتت تفرض تغييرات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية ومؤسساتية جديدة تماماً على المجتمعات العربية، ناهيك عن أن ثورة الاتصالات تغيّر صورة العالم، وتباغت أحزابنا وسلطاتها.

والدليل على ذلك ازدحام الفضائيات ومواقع الاتصال الالكتروني وتقاناته الجديدة التي تؤثر في مجتمعاتنا أكثر من كل القرارات والبيانات والمنشورات الحزبية التقليدية التي ألفتها أحزابنا على مختلف اتجاهاتها.

وتفرز هذه الظاهرة علاقات أفقية شبكية تفاعلية لامركزية تحل جذرياً مكان البنية الهرمية التراتبية العمودية لأحزابنا ونظريتها في الديمقراطية المركزية كنظرية تنظيمية لها. وهذه النظرية هي مرجع التنظيم في كافة الأحزاب الإسلامية والقومية واليسارية، وقد أُشبعت كنظرية تقادماً، وبالتالي بات شكل الحزب ومفهومه ونظرياته مختلفاً تماما.

* ما هي طبيعة الدور الذي تلعبه قضية سعة الأفق أمام المثقف العربي لتولي مهمة الوظيفة النقدية المعارضة في المجتمع، ضمن نطاق عملية التغيير والتنمية الفكرية؟

اضطلعت الانتلجنسيا بالمصطلح الروسي في القرن التاسع عشر أو( المثقف) بالمصطلح الفرنسي في الربع الأخير من ذلك القرن،دوماً، بوظيفة (تغييرية) ، فالمثقف أو الانتلجنسوي يعرف بوظيفته النقدية المعارضة والرافضة للواقع السائد، والمتطلعة إلى واقع بديل في ضوء بدائل معيارية باسم الأمة أو اللغة أو الطبقة أو الشعب.

وفي التجربة العربية تضخم مفهوم الانتلجنسوي أو المثقف الحديث عن نفسه، بحكم الفجوة البنيوية الكبرى بين مثاله المعياري المنمط عن الدولة أو البدائل، وبين المثال الغربي. ولهذا كان النخبوي متأصلاً في عملية التضخم، ويترافق ذلك مع تأصل المثقف الوصي على القيم العامة التغييرية، وتماهيه بها. إن البلورة الصافية لذلك نجدها في عمل المنظر السوري الراحل ياسين الحافظ الذي حاول أن يعيد تاريخانية العروبي على مستوى الممارسة التغييرية.

والانتلجنسيا هي التي تعوض غياب أو ضعف( الطبقة) في عملية التغيير بوعيها للفوات التاريخي، وسده بالوعي والإرادة. يبدو أن هذا المفهوم للانتلجسنيا، بحصر المعنى، قد تقادم، أما المثقفون بالمعنى العام، على مختلف اتجاهاتهم، فسيبقون منتجي الأفكار والآراء والتصورات.

ولكن مفهوم المثقف أخذ يتغير، كما أن المعيارية الانتلجنساوية أصبحت تجد تحدياً من المؤسسات الغربية والأميركية التي باتت تؤطر النوع الجديد من المثقف، في مثقف خبير أو مثقف تبشيري بمفاهيم معولمة، مثل صناعة المجتمع المدني ومفاهيم التمكين وبناء القدرات... إلخ، فهذه أدوات- مفاهيم تتحكم بإنتاج أفكار المثقف اليوم، وثمة ضرورة للتحرر من الإيديولوجيا النيو- ليبيرالية، الثقيلة الثاوية فيها.

المثقف النقدي و التقني

هل يمكن فصل الحداثة التقنية عن الغربية إذ كثيراً ما يتقبل العرب هذا الحقل منها بينما يرفضون الفكرية ؟

الحداثة عملية متكاملة، وهي ثمرة تطور تاريخي مركب وطويل وجد قبل نشوء عصر القفزات الكبرى التي يشكل أهمها التقادم التقني وولادة تقانات جديدة. هذا ما يميز التغير التقاني في عصر العولمة.

وهو تغير فكري جوهري في ما يطلق عليه البعض اسم مصطلح المجتمع ما بعد الصناعي، أو مرحلة ما بعد الحداثة، إشارةً إلى عصر جديد يتميز عن عصر الحداثة. ولذا لا يمكن فصل الحداثة التقنية عن الحداثة الفكرية إلا بشكل افتراضي أو بشكل إجرائي. وفي حالة الفصل فإن هناك استخداماً أداتياً للحداثة، مكبل بقيود معرفية وفكرية ومنظومة معتقدات كابحة.

لكن مع ذلك يفرض استخدامها ولو على السبيل الأداتي، مدركات جديدة. فلقد تغير العالم، وباتت رؤيته الاعتراضية أو المندمجة تتم وفق قواعد لعبته الجديدة. منذ قرن ونصف على الأقل والعرب يعيشون في لجة عملية الحداثة.

الإصلاحية الإسلامية حاولت أن تشتق الحداثة من التاريخ العربي الإسلامي، وأن تقوم بعملية (تبيئة) أفكارها بما يجعلها صالحة للاستخدام معرفياً في المجال التداولي الثقافي العربي-الإسلامي.

كانت عملية تبيئتها للأفكار الحديثة توفيقية أكثر من ما هي تلفيقية، التوفيق شيء والتلفيق شيء آخر. فالتوفيق هو سمة كل فكر علمي متسق بينما التلفيق جمع أضداد وأشتات وفبركة عدم التعارض بينها.

وهناك لآلية الاستيعاب والتبيئة في ما يسميه ادوارد سعيد بانتقال الأفكار من مجال ثقافي- اجتماعي إلى مجال ثقافي- اجتماعي آخر، آلية مختلفة هي الاستيعاب المعكوس.

خذ مثلاً الحاكمية، فهذا مفهوم عكسي تماماً لمفهوم السيادة الذي تقوم عليه الدولة الحديثة. لقد أخفق مشروع الحداثة العربية فكرياً ومؤسسياً، على مستوى الهيمنة الفكرية كما على المستوى المؤسسي، وهو يواجه فضلاً عن ذلك تحديات عملية عولمة تدمجه بشكل مشوه أو تقنياً على الأقل، في فضاء تأثيرات ما بعد الحداثة التي يصح أنها معادلة لبعض وجوه عملية العولمة.

هذه العملية تعيد هيكلة التمركز، وتتميز بأنها تطلق آليات مقاومة الهيمنة، ولكن من ضمن قواد لعبتها. المعيارية المركزية للحداثة تفككت في هذه العملية الكلية الكبرى التي تتم على المستوى العالمي، وما من مجتمع اليوم، بما في ذلك مجتمعات الغجر أو بقايا البدو الرحل الذين تصادفهم مثلاً في أكثر من بلد عربي، بمنجى عن عملية الحداثة وما بعدها. في عصر النهضة العربية طرح النهضويون العرب سؤال تبيئة الحداثة في صيغة:

(لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟). هذا السؤال هو نفسه مفارقة الإمام محمد عبده بين إسلام دون مسلمين في فرنسا، ومسلمين دون إسلام في مصر.

حاول النهضويون، علمانيون وإسلاميون، أن يجددوا الفكر العربي، وبلوروا في سياق هذه العملية مفاهيم جديدة تتركز فيها أسئلة الحداثة والدولة والمواطنة والتقدم العلمي، وما تزال عملية استئناف تجديد الفكر العربي مهمةً ملحةً، والأسئلة التي طرحها النهضويون لاتزال تواجهنا اليوم، فقسم كبير منها لم يحل بعد.

المثقف النقدي و التقني

هناك تحول خطير من المثقف النقدي، كما سميته، إلى المثقف التقني، فما هي خطورة ذلك على مواقف المثقفين المتنورين الذين يفترض بهم أن يقفوا ضد السلطة وأن يكشفوا خباياها؟

مفهوم المفكر العربي في الثقافة تكون واكتمل ضمن إطار المثقف بمعناه النقدي أو الانتلجنساوي، أي الذي يرفض الواقع السائد ويعمل من أجل تحقيق واقع بديل، وكان المثقف منتج الأفكار ومؤسس الأحزاب وحركات التغيير، أما الآن فهناك تطويع للمثقف في أجهزة الدول التسلطية، وتحويل عنيف له إلى مثقف تقني خبير أو مثقف وظيفي.

المفهوم الأميركي للمثقف غدا مهيمناً،وطموح المثقف، ماعدا استثناءات، هو أن يضع علمه في خدمة أجهزة الدولة أو الشركات. والمفهوم الفرنسي الحديث للمثقف أخذ نفسه يتغير.

في ظل عملية العولمة، وتكون هذا المثقف الخبير الذي يعمل في خدمة الأجهزة. ولا تفترق إيديولوجيا الأمم المتحدة وأجهزتها عن هذا النمط، مع تميز خاص لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي الذي يمثل النسخة الرؤوفة من المنظمات الدولية.

والذي يسمح بهامش فكري كبير غير مقولب بشكل صارم في طرح القضايا، ولاسيما في مجال مواجهة النيو- ليبرالية المهيمنة على عقلية وسلوك وبرامج ما يوضع اليوم تحت اسم المنظمات غير الحكومية، وهي كلها تقوم على طاقم نمطي من المفاهيم: المجتمع المدني، التمكين، بناء القدرات، النوع الاجتماعي، إلخ.

مع أن هذه مفاهيم تتحكم بإنتاج الأفكار، فإن التحدي هو تحريرها من الثقل النيو- ليببرالي الثاوي فيها. هذا ممكن، وفي أجهزة المنظمات الدولية ممكن فقط في حدود معينة.

لكنها أطر ومفاهيم واسعة في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وفي بعض اتجاهات الأسكوا نسبياً. وهذه المنظمات هي أكبر وأغنى مشغل للمثقفين والجامعيين والخريجين العرب اليوم.

البحث في إرث وفكر فؤاد زكريا

شارك المفكر السوري، جمال باروت، أخيرا، في الندوة الفكرية التخصصية لمؤسسة العويس الثقافية، حول (المفكر الراحل فؤاد زكريا)، وذلك في مقرها بدبي، على مدار يومين( 21 و22 سبتمبر)، حيث قدم ورقة بحثية بعنوان (العلمانية من منظور فؤاد زكريا.. المفهوم وحدوده) ، حدد ووصف فيها نموذج المثقف الذي جسده المفكر الراحل فؤاد زكريا، مشيرا إلى أن زكريا كان كطبيب القرية الذي لا يهتم بمعالجة المرضى فقط، بل يدس أنفه في جميع شؤونهم. وبين أن الراحل هو من نوعية هذه الفئة من المثقفين التي كانت تسمى (الانتلجنسيا) في روسيا، إذ عرفت بفاعليتها في القرن التاسع عشر.

و تحدث باروت عن الرابط الحقيقي بين الحداثة والعقلانية، والتماهي بينهما لدى فؤاد زكريا، لافتا إلى أنه قدم بذلك نموذجا للعلمانية المؤمنة. وقد أثار عرض باروت لهذا المصطلح، جدلاً كبيرا في الندوة.

وأشار إلى الخطأ الذي وقع فيه المفكر الراحل، والمتمثل بوضعه كافة الحركات الإسلامية في سلة واحدة ؛ دون التمييز بين اختلافاتها الفكرية وتنوعها. كما بين باروت أن زكريا عاش في فترة غنية في الأربعينات، شهدت ظهور حركات يسارية وتحالفات متعددة، ولكنه كان بعيداً عنها، وهو ما يُؤخذ عليه لأن تلك الفترة كانت في أوج غليانها.

سيرة حياة

بدأ الكاتب والمفكر، محمد جمال باروت، مسيرة عطائه الإبداعي، مع دراسة خاصة بالنتاج الشعري النثري( الشعر يكتب اسمه- دراسة في قصيدة النثر العربية) في العام 1982، ثم تلاها بكتاب ( الحداثة الأولى من جبران إلى حركة مجلة شعر) الصادر عن اتحاد وأدباء كتاب الإمارات، فـ (حركة التنوير العربية في القرن التاسع عشر)، ولاحقا ( المجتمع المدني مفهوماً وإشكاليةً) . وتعددت بعدها مؤلفاته، وهي:

( أطياف الحداثة) و( الدولة، النهضة، الحداثة) و( الجاحظ مؤسس البيان العربي)، وسلسلة من الكتب عن (حركة القوميين العرب: النشاة والتطور والمصائر)، وموسوعة الأحزاب والحركات السياسية في ست مجلدات محرراً، ومؤلف بالتنسيق مع فيصل دراج، و(الطريق إلى القدس)، و( موقع القدس في الجغرافية الروحية الإسلامية) بالاشتراك مع شمس الدين الكيلاني، إضافة إلى طائفة من الكتب العديدة الأخرى التي كان مؤلفها الرئيس، مثل:

( التعليم والتنمية البشرية) و( التقرير الوطني الأول للسكان) و( الهجرة الخارجية الدولية السورية) و( التحولات السكانية والمجالية) و( التحولات الاقتصادية الاجتماعية في سورية 1970-2000.).

حوار - شاكر نوري