قبل بضعة أعوام كانت الظروف المعيشية المحيطة بإقامة خليل محمد، وهو موظف في قطاع التربية والتعليم، مواتية لمواصلة حياته المهنية والأسرية دون الحاجة إلى حلول تعجيزية؛ تلك الحلول أصبحت اليوم متوقعة وقريبة إلى حد أقصى، لا سيما وأن الأعباء المعيشية الملقاة على عاتقه كولي أمر أمست مضاعفة، وهو لا يجد في راتبه الذي يقف عند حدود عشرة آلاف درهم متسعاً لتأمين نفقات المأكل والمسكن والتعليم لأبنائه..
خليل؛ وكما هو حال الكثيرين ممن يتسمّرون في خانته المادية، يفكر كثيراً في مخرج يقوده إلى التغلب على مشكلة «راتب لا يكفي»، لا سيما في ظل حالة الغلاء المتفشية، وما يترتب عليها من ارتفاع المصاريف التي تحيط بالعائلات.. ولا يزال المخرج تائهاً.تلك حالة تلخص واقعاً صعباً تعيشه شريحة من المجتمع في ظل حالة الغلاء المتسارعة، و المصاريف المتلاحقة التي يتعين على المواطن والمقيم صرفها في مختلف حالاتهم المعيشية.. بدء من مواقف السيارات مروراً حتى يؤمن مكاناً لوقوف سيارة، والشخص مضطر للدفع حتى لا يفوته موعد ما.. فما بالك بالنفقات الأخرى التي لا تعد ولا تحصى! هكذا تقول جميلة المهيري، موظفة حكومية في دبي.
في موازاة ذلك حدد عدد من المواطنين العاملين في مجالات مختلفة سقف الراتب الذي يتعين على رب الأسرة تقاضيه بين 40 و50 ألف درهم إماراتي، حتى تتمكن هذه الأسر من مواصلة حياتها المعيشية دون الوقوع في أزمات مادية خانقة، مؤكدين في الوقت ذاته أن كثيراً من الموظفين ممن يبلغ مرتبهم الشهري 30 ألفاً، لا يجدون في الأيام القليلة المتبقية من الشهر ما ينفقونه على أسرهم، لا سيما في ظل حالة الغلاء المتجذرة في مختلف تفاصيل الحياة، وتحديداً في السلع الأساسية من مواد غذائية وبترول وماء وكهرباء وحتى غاز.
دخل خارجي
وترى جميلة المهيري أن الشخص الذي لا يزال معتمداً على الراتب وحسب سيعاني حتماً هذه الأيام، ولا بد في المقابل من وجود مصدر دخل خارجي من مشاريع أو استثمارات أخرى، وهي التي تكفل للأسر مواصلة العيش بثقة، أما الراتب .
وإن تجاوز حدود 35 ألف درهم، فهو لن يمتد حتى آخر الشهر، لأن المصاريف التي يدفعها المواطن أو المقيم أصبحت مضاعفة في كل شيء، حيث تجده ينفق الدراهم على مختلف التفاصيل الصغيرة من حوله، ويكفي لرب الأسرة أن يذهب إلى الجمعية مرة واحدة، ويكتشف كم من المئات بل الآلاف التي سيدفعها عند جهاز «الكاشير».
وتؤكد المهيري أنها واحدة من الأمهات العاملات وتعاني من مشكلة عدم كفاية الراتب، ذلك على الرغم من أنها تتقاضى راتباً مرتفعاً في نظر البعض، لكن المشكلة كما تقول تكمن في اختلاف طبيعة وواقع الحياة قبل بضعة أعوام عنها هذه الأيام، فحجم ما كانت تصرفه في السابق يقل إلى نصف ما تنفقه اليوم، والسبب يكمن في الغلاء المتواصل وفي تعدد أوجه الصرف، حتى أمسى الراتب الحلقة الأضعف في حياة أي موظف، ناهيك عن كون العديد من الموظفين مكبلين بالقروض والبطاقات الائتمانية، حيث يحبس الجزء الأكبر من مرتبهم في البنك، وتلك مصيبة أكبر كما توضح جميلة.
بركة الراتب
أمينة إبراهيم، موظفة حكومية، تضيف أن الجميع هذه الأيام يشتكي في جملة متكررة وهي، «البركة منزوعة من الراتب»، فقبل سنوات ماضية كان بمقدور الموظف أن يدخر من راتبه وأن يتزوج أو يشتري سيارة أو يبني بيتاً، لكنه اليوم لا يستطيع أن يكمل أيام الشهر في الأكل والشرب فقط، ذلك من الممكن أن يكون مرتبطاَ برفاهية العيش وعدم الاقتناع بالضروريات فقط، مشيرة إلى أنه في السابق كان للبيت الواحد جهاز تلفاز، واليوم في كل غرفة جهاز، والكمبيوتر يتطلب تغييراً بعد عامين، والسيارة بعد أربعة..
ذلك يؤكد كما ترى أمينة أن المشكلة ليست في الراتب وإنما في ثقافة العيش الاستهلاكية غير المنضبطة لدى مختلف شرائح المجتمع؛ الأغنياء أو متوسطي الدخل أو الفقراء.
اليوم كما تقول أمينة؛ لا أحد يمكنه أن يتزوج من راتبه وإن تعدى حدود الثلاثين ألفاً أو أكثر، فالشاب بحاجة إلى مساعدات وقروض من البنوك ومن الدولة ومن الأهل، ومع ذلك كله لا يستطيع المواصلة، فالمشكلة مرتبطة بالغلاء أكثر وبثقافة التغيير والتجديد، حتى أمست ديون البنوك موضة تكلل حياة الجميع، ومن الصعب أن تجد عائلة غير عالقة بدوامة البنوك والقروض، ولذلك أمسى الراتب أضعف ما في يد الموظف.
الجميع سواسية
في السابق كانت الحياة أسهل وأقل كلفة وأكثر تعبيراً، أما اليوم فهي معقدة ومكلفة إلى حد غريب بحسب ما ترى أمينة إبراهيم، التي تؤكد أن جميع أفراد البيت منساقون إلى الموضة والماركة، الكبير قبل الصغير يود أن يقود أفخم السيارات وأحدثها، فلا تفرق بين غني وفقير، الجميع سواسية فوق الإسفلت، لكنهم حتماً منغمسون في ديون البنوك وواقعون تحت مقص المصاريف التي لا ترحم، لذلك فالراتب لن يكفي حتى لنصف الشهر.
وفي الاتجاه ذاته يجزم عبدالغفور يوسف، أن المعاناة بفعل الراتب لا تزال تمثل المشكلة الأبرز التي تواجه الجميع مواطنين ومقيمين، فالمرتب الذي يتقاضاه الموظف بقي كما هو منذ سنوات فيما الغلاء لا يزال يفرد جناحيه في مختلف السلع أساسية كانت أم كمالية، مشيراً إلى أن الأسرة المكونة من أب وأم وطفلين لا يمكنها مواصلة الإنفاق من راتب يقل عن الثلاثين ألفاً، لا سيما في وقت تضاعفت فيه المصروفات المختلفة إلى ثلاثة أو أربعة أضعاف، وأصبح الصرف ميزة عصرية تلتصق بمختلف الأفعال والممارسات اليومية للفرد.
كوب الشاي
ويتطرق محمد الخميري وهو موظف حكومي، إلى قضية سوء تدبير جماعية بفعل الغلاء والتضخم في مختلف السلع، لا سيما البترول والمواد الاستهلاكية الأساسية، ذلك ما يدفع باتجاه القروض والبطاقات الائتمانية خاصة لدى ذوي الدخول التي تقل عن 40 ألف درهم شهرياً.
موضحاً أن الرواتب وحدها لم تعد كافية لتأمين أسباب العيش، طالما أن رب الأسرة لا يملك في المقابل دخلاً آخر غير المرتب التقليدي الذي يتبخر غالباً في الأيام الأولى من الشهر في ظل حالة الغلاء في كل شيء، وهل يعقل أن يصل ثمن كوب الشاي في كوفي شوب عادي إلى أكثر من 20 درهماً! وأحياناً ربما يجد الشخص نفسه في موقف حرج فيضطر لأخذ كوب من الشاي أو فنجان قهوة.
وعلى الرغم من وجود أكثر من شخص موظف في الأسرة الواحدة، إلا أن المشكلة لا تزال ماثلة، كما يرى محمد الخميري، فعلى سبيل المثال تضطر غالب الأسر إلى تجديد ملكيات ودفع مخالفات وتصليح أربع أو خمس سيارات كل عام، ناهيك عن تزويدها المتكرر بالبترول، وتلك أعباء إضافية كبيرة؛ فاليوم أصبح المشوار من رأس الخيمة إلى دبي يكلف 100 درهم وسابقاً كان في حدود 20 درهماً فقط.
ويرى الخميري أن من الأهمية بمكان التغيير في الثقافة الاستهلاكية لدى المواطنين بحيث يتم التقليل من الإسراف على كثير من الحاجيات، ناهيك عن ضرورة توفير الدعم الحكومي للسلع الأساسية مثل البترول والمواد الغذائية، لافتاً إلى أن الجمعيات التعاونية التي وجدت لخدمة الجمهور أصبحت في كثير من المناطق أكثر غلاءً من مؤسسات أخرى خاصة، والمسألة بنظر الخميري تحكمها ثلاثية الثقافة الشخصية والوعي المجتمعي والدعم الحكومي.. بذلك قد يستطيع الموظف براتب الثلاثين ألفاً أن يقف على رجليه حتى نهاية الشهر.
نزهة عائلية تستنزف عُشر الراتب
أوضح محمد الخميري، موظف حكومي، أن مشكلة عدم كفاية الراتب تبدو عامة لدى فئات كثيرة من المجتمع، وأن الموظفين الذين يتقاضون رواتب في حدود الثلاثين ألفاً يعانون من صعوبة العيش، وذلك مرده إلى تعدد أوجه الصرف لدى العائلات.
وارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية والسلع الأساسية، فصندوق الطماطم اليوم بخمسين درهماً، وكيلو سمك الكنعد بالمبلغ ذاته وقد كانت في السابق أقل بأضعاف، ذلك يعني أن بضعة كيلوات من السمك تعادل ذبيحة من الضأن ونحن أهل البحر!.
وخلال السنوات الماضية اعتاد الخميري الخروج مع عائلته في أيام كثيرة خلال الشهر، أما اليوم فيمر شهر أو اثنان دون أن يبادر بالخروج، السبب، كما يقول، مرتبط بحجم الإنفاق وكمية المستلزمات المادية التي ترافق الرحلة الواحدة، حيث أن العشاء الخفيف للأسرة الصغيرة في أحد المطاعم يحتاج مئات الدراهم، وشراء بعض المستلزمات للأطفال أو للبيت يكلف رب الأسرة مئات كثيرة وربما آلافاً، فتجد في النهاية أن نزهة اليوم الواحد تستنزف من الراتب العشر أو ربما أكثر.
دبي ـ عنان كتانة


