جلسنا هو وأنا في مقهى تم افتتاحه حديثاً في مركز تسوق كبير، كنا لم نتبين بعد هوية المقهى أهو ألماني أم أسباني.. شرقي أم إفريقي؟ بدأنا نلقي نظرة على أثاثه.. الطاولات والكراسي وعدد من الكنبات ذات اللون الأبيض وطريقة الترتيب. شملت عملية التفقد البصري السريعة تلك ملابس العاملين وتناسبها لونياً مع عناصر المكان ككل.
حينما تجلس في مقهى، فإن الاستمتاع بالمكان يضاهي الاستمتاع بكوب من الشاي أو كأس من المثلجات. هنالك أناس كثيرون يدفعون للجلوس في المكان وهم مسرورون ربما أكثر مما يدفعون لأنواع المشروبات أو طبق الطعام الذي سيطلبونه. المكان غالباً ما يحظى بالأولوية تماماً مثلما يحظى لدى بعضنا بالأولوية والاهتمام شكل تقديم الطعام وترتيبه على المائدة بما قد يفوق الاهتمام بمذاق الطعام نفسه.
بالطبع هذا لا يعني أن أحد العنصرين، المكان والمذاق، يلغي الآخر فكلاهما ضروريين. ولعله من هنا سارت في الناس مقولة «إن الإنسان يأكل بعينيه قبل فمه». تذكرنا هذه المقولة بأخرى مشابهة «قد تعشق الأذن قبل العين..أحياناً».
صديقي الذي ترك بلده منذ فترة طويلة، يعيش في غربة جديدة لا يعلم لها نهاية، عندما تصفح ال«مينيو».. قائمة المشروبات والطعام، رأيته يغيب عني فيما يشبه «السرَحَان».. في عملية تأمل واستدعاء. لم أشأ التدخل، لكنه ما لبث أن عاد مبتسماً ومدركاً أن حاله تلك استرعتني من غير قصد.
سألته فأجاب أنه عندما رأى صورة كوب من القهوة ممزوجاً بالحليب تعلوه رغوة الكريمة تذكر صديقاً له كان يشاركه تناول هذا النوع من المشروبات الساخنة في مقهى اعتادا ارتياده. تخيلت المشهد وعلمت أنه لا بد وقد تذكر مع القهوة الأحاديث التي كانت تدور بينهما والنكات والضحك.
الأطعمة على أنواعها، مأكولة أو مشاهدة من خلف زجاج، هي كالأغاني والأمكنة، تشكل عنصر استدعاء قوي، تضاف إليها العطور تلك التي ما أن يلتقطها الأنف ويرسلها إلى مناطق في الدماغ حتى يتذكر الشخص أصحابها والأمكنة التي التقى بهم فيها وبقية المتتاليات الأخرى.
من منا مثلاً لم يتذكر جده الذي أعطاه نوعاً من الحلوى أو صديقه الذي شاركه طبقاً أو شقيقة أهدته علبة شوكولا أو زملاء احتفلوا به في مطعم. هنالك سيدة عربية قرأت لها تقول: كلما وضعت صحن التمر على المائدة تذكرت والدي حينما كان يقدم التمر والقهوة العربية إلى جلاسه ومسامريه» وكان زوجها يقطع عليها حبل الاستدعاء بقوله «الله يرحمه ويغفر له».
بالمقابل هنالك مناسبات غذائية يخرج منها الشخص بذكرى غير سعيدة. فشخص لم يعد يحب أي طبخ من النساء لأنه في طفولته «وجد في أكل أمه أظافر، مما جعله يصل إلى قناعة أن كل النساء اللاتي يعرفهن ويثق بنظافتهن «هن قذرات من ناحية الطبخ». إن حادثة ما في الصغر قد تكون كفيلة بخلق عقدة نفسية لدى الإنسان.
يبقى الطعام على أنواعه وتعدد أشكاله أحد أهم وأسمى الإبداعات التي توصل إليها الإنسان عبر مسيرته البشرية والحضارية الطويلة، إنه أحد محورين مهمين تدور بالضرورة حياته حولهما.
أحمد عبدالرحمن- الإمارات