عالم الصداقة أسرار مغلفة بهالة الثقة بين أشخاص تآلفوا على قلب رجل واحد.. تجمعهم ملامح مشتركة من حيث البيئة ومستوى المعيشة والثقافة المحلية الضيقة، ويتكاثرون سريعاً تحت مسمى اللهجة أو اللغة.

ويحتكمون بشكل مباشر إلى ثقافة «المزاج النفسي المتقارب» بحسب ما يؤكد أصحاب الاختصاص في علم النفس، والمزاج وحده يلعب الدور الفعال والأبرز في تكوين الصداقات بين الآخرين.استطلعنا آراء مجموعة من الشباب المقيمين والمواطنين للتعرف على واقع صداقاتهم ومحيطهم الاجتماعي العام، وتبين أن الشباب المواطنين ينسجمون بشكل كبير جداً في مجموعات صداقة من أبناء جنسيتهم بحكم حالة التقارب بين الأفكار والأحلام والطموحات، ناهيك عما تمنحه اللهجة المشتركة من ثقة وأريحية في التعامل فيما بينهم.:الوظيفة والعمل:أما المقيمون فتنحصر صداقاتهم أكثر في مجال الوظيفة والعمل بالإضافة إلى مجموعة صداقة قديمة من الجنسيات نفسها، وأحياناً من جنسيات عربية أخرى قريبة في ثقافتها وبيئتها المعيشية، وذلك بحسب ما توضح الدكتورة رشا محمد المرشدة النفسية في جامعة الشارقة.نابع من تأثيرات التقارب التي تفرضها بيئة العمل أحياناً، ومن التشارك في تاريخ متقارب لبلدان محددة، ويبقى العنصر الأوفر حظاً في مجال تكوين الصداقات منحصراً في العامل النفسي والمزاجي الذي يجتمع عليه الأصدقاء المتقاربون في أماكن سكناهم.

يقول خميس الدهماني، الموظف الحكومي في إمارة الشارقة، إنه وبحكم سكنه في منطقة المنيعي البعيدة نسبياً فصداقاته تنحصر في غالبها بين أبناء منطقته والفريج الذي يسكنه، ولديه في مجال العمل صديق وحيد من الجنسية العربية.

مشيراً إلى أن الثقافة التي يعيشها الشاب الإماراتي لا تبتعد نسبياً عنها في الكثير من الدول العربية، لذلك فمن الوارد دائماً أن تجد نماذج إيجابية للصداقة بين المواطنين والمقيمين العرب، ما إن توفرت فرص التقارب والالتقاء في السكن أو الدراسة أو العمل.

مرحلة الطفولة

أما صديقه المواطن أحمد سعيد فيؤكد أن أصدقاءه في غالبهم من المواطنين، ولكنه يحتفظ بصداقة متينة مع عدد من الشباب من جنسيات عربية مختلفة، وهو يرى أن الصداقة لا يمكن أن تأتي من فراغ، فهي علامة فارقة في حياة الناس وتتشكل بفعل عوامل مختلفة منها النشأة والثقافة المشتركة والأحلام والطموحات القريبة، والأهم مرحلة الطفولة التي تعد الحافظ الأبرز للصداقة.

وبالنسبة لأسامة هاشم، سوري الجنسية فهو يحتفظ منذ مجيئه إلى الإمارات قبل نحو ستة أعوام بأجواء مختلفة من الصداقة، وبحكم وظيفته فهو على علاقة طيبة مع عدد من الأشخاص من جنسيات عربية وغير عربية، وكثير من أصدقائه العرب من أبناء جنسيته، بالإضافة إلى بضع أشخاص من جنسيات عربية محددة.

جنسية واحدة

نورس البغدادي من سوريا ويقيم في دولة الإمارات منذ نحو عامين، يشير إلى أنه وإلى الآن لم يصادف في مشواره مع الأصدقاء أحداً من المواطنين.

وذلك أمر منطقي بفعل واقعه الحديث في الدولة، ولكونه نشأ وترعرع في بلده فهو يحتفظ بعلاقة صداقة متينة مع العشرات من أبناء بلده، إلى جانبهم أصدقاء من أبناء جنسيته يقيمون في الدولة، وصديق أو اثنين من الجنسية العربية.

ويضيف الشاب منصور الحساني أن ما نسبته 95% من أصدقائه من المواطنين، والبقية وهم قلة من المقيمين والعرب تحديداً، موضحاً أنه يجد أريحية مطلقة في التعامل مع أصدقاء مواطنين من أبناء جنسيته، بحكم التشارك في النشأة والثقافة والواقع المعيشي.

الدراسة والعمل

ويوضح الحساني أن مكان السكن والدراسة والعمل عوامل تحدد بشكل مباشر صيغة الصداقة بين الأفراد، فهو ترعرع في فريج غالبه من المواطنين ودرس في جامعة الغرير وبقي في إطار أصدقاء محصورين بأبناء جنسيته.

ورغم ذلك فهو لا يجد صعوبة في تكوين صداقات مع شباب كثر من الجنسيات العربية متى توفرت فرص الالتقاء والتعارف وتبادل الأفكار، حيث إن الصداقة في النهاية لا تخرج عن كونها تلاقياً في الأفكار وتشاركاً في الأحلام والطموحات خاصة بين الشباب.

فيما يجزم صديقه علي لوتاه أن أصدقاءه في مجملهم من المواطنين، الذين التحقوا بمظلة واحدة بحكم ملامح النشأة والتعليم والعمل، فالمحدد الرئيسي في عالم الصداقة ينحصر في التفاهم الفكري والمجتمعي، والتقارب الجغرافي والمواقف التي تحدث في غفلة من الوقت وتُحدِث أثراً في النفس، وكل تلك الأمور يتشارك فيها مع عشرات الشباب المواطنين.

مزاج نفسي

وترى رشا محمد المرشدة النفسية في جامعة الشارقة أن الصداقة محكومة بثقافة «المزاج النفسي المتقارب» بين الأشخاص، وتلك الثقافة تحددها اللهجة والجيرة والنشأة والدراسة والعمل، ورغم ذلك فهي لا تقف عائقاً أمام تشكيل صداقات بين أبناء الجنسيات المختلفة التي من الوارد أن تعيش مواقف عابرة مشتركة فتتلاقى على إثرها القلوب والعقول.

وبحكم أن الصداقات تتعزز بشكل أساسي لدى أبناء الجنسية الواحدة، فذلك أمر مبرر من وجهة نظر المرشدة النفسية رشا محمد، التي تؤكد أن عملية الصداقة محكومة بالأجواء الاجتماعية التي ينشأ عليها الأشخاص والتقارب والتفاهم في اللهجة والفكرة والمزاج والتربية وأسلوب الحياة، فحتى الزواج أحياناً لا يكون ناجحاً بفعل اختلاف المعايير المعاشة في بلدي الزوجين.

وفي النهاية كل تلك الملامح تؤكد أن الصداقة تتعزز لدى الأفراد أبناء الجنسية الواحدة، وإن كانت الثقافة العربية والإسلامية تجمع العرب في كثير من المواقف على هيئة أصدقاء رغم تباعد المسافات فيما بينهم، وتبقى في النهاية المواقف المعاشة محركاً مفصلياً في ذلك.

اللغة والدين والتاريخ توثق عرى الصداقة

يؤكد واقع الشاب الإماراتي حمد المنصوري أن اتساع أفق العلاقات الاجتماعية والمهنية بين الشباب العرب يجعل منهم أصدقاء مقربين بحكم أنهم يتشاركون في أهم مقومات الصداقة وهي اللغة والثقافة العربية والإسلامية.

وهو كشاب إماراتي يحتفظ بصداقات كثيرة مع شباب مواطنين من أبناء منطقته وعلى مستوى إمارات الدولة، ويواصل في الطرف المقابل مهامه كصديق لعدد لا بأس به من الشباب العرب والمقيمين الذين جمعته بهم علاقات العمل ومواقف مشتركة لا تنسى.

ويرى المنصوري أنه من المهم أن يوسع الشخص أفقه الاجتماعي إلى أبعد من أصدقاء المدرسة أو الفريج، ومن الطبيعي جداً أن تصادف الفرد مواقف أخرى خلال مسيرته المهنية والعملية، وهي حتماً ستقود إلى تكوين صداقات جديدة، حيث يبقى المحرك المفصلي في هذا المجال مرتبطاً بشكل أساسي بمدى قناعة الشخص بجدوى العلاقات التي يتبادلها مع الآخرين.

بعيداً عن مفاهيم الجنسيات وما سواها من الأمور، فالصداقة هي المتغير الوحيد على مستوى العالم الذي لا يعترف بالحدود أو الحواجز الجغرافية، وفي حالة الصداقة المواطنين والمقيمين فهي حتمية بحكم اللغة والدين والتاريخ المشترك، والعادات والتقاليد أحياناً.

صداقات مقاعد الدراسة

يوضح الدكتور أحمد الخياط الخبير التربوي بإدارة الإرشاد الطلابي بوزارة التربية والتعليم، أن الصداقات القائمة بين الشباب العرب والمواطنين في دولة الإمارات تبدو جلية وواضحة إلى حد كبير، فمعظم المدارس الحكومية في الدولة تحتضن طلبة مناصفة بين المواطنين والوافدين العرب.

وأكثر من 80% من المعلمين في الدولة من الوافدين العرب، وكل تلك الملامح تؤكد شواهد حية لصداقات بين المواطنين والوافدين الذين تشاركوا في أحلام الدراسة والمستقبل على مقاعد متشابهة.

ويضيف الخياط أن انحسار ملامح الصداقة بين أبناء جنسيات عربية مختلفة لا يكون سببه في الثقافة أو في ظروف المعيشة، وإنما مرده إلى انشغال الكثيرين في أمور الحياة ومتطلبات الحداثة والعمل بعيداً عن أداء أدوارهم المجتمعية.

وتأثير ذلك يكون داخل البيت الواحد أو الفريج أو على مستوى المدينة عامة، وفي الغالب فإن الصداقة بين الأفراد تتعزز أكثر لدى شريحة السكان التي لا تزال تحافظ في مكان سكنها على التقارب الأفقي بين البيوت.

بما يعزز واقع الجيرة والتقارب بين العائلات، أما في حالة السكن في البنايات متعددة الطوابق فمن الصعوبة بمكان أن تجد أصداء إيجابية للصداقة بين الأبناء الذين يعيشون في اغتراب متصاعد.

دبي ـ عنان كتانة