«تقدم الأمم لا يقاس فقط بأخذها بسبل النهضة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية وتطبيقها للتقنية الحديثة، وإنما أيضاً بمدى حفاظها على تراثها».. هذه العبارة المأثورة والخالدة، للمغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، كانت بمثابة النهج الذي حدد معالم الطريق، ورسخ المبدأ الذي حرصت دولة الإمارات، ولا تزال تحرص على ترسيخه باعتباره ضمن أهم ثوابتها، فالتنمية المنشودة ليست قفزات في الهواء، والنهضة التي يطمح الوطن لبلوغها، لا يمكن أن تتأتى بغير التمسك بالجذور، والاعتصام بهويتنا الحضارية المستمدة من روح عروبتنا وتقاليد ديننا الحنيف.
ولكي ننطلق في رحلة التحديث بقوة وثبات، لابد من أن نقيم الصلات ونوثقها بين شبابنا وبين تاريخهم، حتى لا تعصف بهم تيارات الاغتراب، فتنتزعهم من واقعهم الاجتماعي والحضاري.
هذه الحقيقة الثابتة... بدت أوضح ما تكون، على هامش معرض الصيد والفروسية الذي أقيم في أبوظبي مؤخراً، حيث شهد المعرض حضوراً مكثفاً من شباب في مقتبل العمر، ممن حرصوا على ألا يكتفوا بالمشاهدة، وإنما حرصوا على المشاركة الفعالة، سواءً كمتسابقين أو عارضين في فعاليات المعرض، الذي أصبح واحداً من أهم الفعاليات الثقافية والتراثية على أرض الدولة، هذا إلى جوار كونه واحدا من أهم الفعاليات التجارية والاقتصادية.
تشجيع ودعم
يقول عيسى علي «طالب ثانوي»: أشارك في المعرض للعام الثالث على التوالي، وتأتي هذه المشاركة بتشجيع ودعم من والدي، الذي يحضى دائماً على حضور كل الفعاليات التراثية، وخلال العام الماضي شاركت في مسابقة جمال الكلاب السلوقية، وحصلت على المركز الثالث، وكم كان جميلاً أن أرتقي المنصة للحصول على جائزتي أثناء المعرض.
ويضيف: إن تراثنا مليء بالمفردات والتفاصيل القادرة على الاستحواذ على اهتمام النشء، وما من شك في أن تعريف الشباب بتراثهم والعمل على تقوية الروابط بينهم وبين تاريخهم، سيساهم في الحفاظ على هذا التراث من الضياع والاندثار، وسيؤدي بالضرورة إلى نقل التراث من جيل لآخر، فلا نفقد ملامحنا الحضارية وقسماتنا الثقافية الأساسية.
أبرز الملتقيات
ويرى عبد الله الخميري أن المعرض ليس مجرد فرصة تسعى الشركات إلى انتهازها من أجل تسويق منتجاتها ذات العلاقة بالصيد والفروسية، وليس مجرد مناسبة اقتصادية تعد الأهم على مستوى منطقة الخليج العربي، وإنما تكمن أهميته في كونه أحد أبرز الملتقيات الحضارية والتراثية، مشيراً إلى أن قطاعاً كبيراً من الشباب الذين يزورون المعرض لأول مرة، يبدون اهتماماً كبيراً للتعرف على السمات الثقافية، والعادات التراثية التي دأب أجدادنا على التمسك بها.
ويقول: إن المسابقات التي تقام على هامش المعرض تستقطب الكثير من الشباب وصغار السن، حيث يحصلون بشكل تفاعلي على المعلومات المهمة عن تاريخ أجدادنا، موضحاً أنه يشارك في المعرض منذ عامين، ويحرص على حضور كافة فعالياته بما يعود بالفائدة على وعيه بتاريخ وماضي وطنه.
أما حمد ناصر الهاجري فيشارك في المعرض مع والده الذي يقوم بعرض بعض السيارات المخصصة للطرق الوعرة والصحاري، وتستخدم على نطاق واسع من قبل هواة الصيد.
ويقول: في الجناح الذي نعرض فيه منتجات شركاتنا يترك لي والدي مهمة الحديث مع الزوار لشرح أهم مميزات السيارات التي نعرضها، موضحاً أن معروضات الجناح من السيارات تتسم بأنها إماراتية الصنع، وذات سعر مناسب وقادرة على تحمل مناخ الإمارات الحار، فضلاً عن أنها تتميز بتصميم يؤهلها للسير بمنتهى الرشاقة على الطرق الوعرة.
ويلتقط أخوه عبد الله الهاجري طرف الحديث حيث يستطرد قائلاً: إن مشاركتنا في المعرض إلى جانب أبينا للعام الثالث على التوالي، منحتنا معرفة كبيرة بأعماله وساهمت في خلق علاقة حميمة قوية بيننا وبين تراث وتاريخ الأجداد، وهو أمر بالغ الأهمية، لأن التمسك بالجذور يعد السبيل الوحيد للنهوض والارتقاء، وبغير التمسك بمفردات تراثنا، لا يمكننا أن نكون نمضي قدماً إلى المستقبل.
ويتحدث أحمد خميس المنذري عن مشاركته في المعرض قائلاً: إنني شاركت في الجناح الخاص بمركز التأهيل المهني، حيث توليت مهمة التعريف بواحدة من أعز الرياضات التراثية ألا وهي الصيد بالصقور، مشيراً إلى أنه قام على مدار أيام المعرض بالالتقاء بما يزيد عن 300 شاب في مقتبل العمر، ممن لا يعرفون الكثير عن الصقارة، وقد شرح لهم الفوارق بين أنواع الصقور، ومميزات وعيوب كل منها.
ويقول: يعد الصقر الحر أهم وأفضل الصقور التي يفضلها محبو الصيد في الإمارات، نظراً لكونه خفيف الحركة وصياداً بالفطرة، ولا يحتاج إلى وقت طويل لتدريبه، فيما يأتي الشاهين ثم الوكري في المرتبتين الثانية والثالثة.
ويزور أحمد القاسمي المعرض سنوياً مع أبيه للاطلاع على الجديد في مجال أسلحة الصيد، ويقول: إن والدي يحرص على تعريفي بكل مفردات تراثنا منذ أن كنت في نحو العاشرة، كما يهتم على أن يصطحبني وإياه في رحلات الصيد التي يقوم بها في باكستان، والحقيقة أن اهتمام الشباب بممارسة رياضة الصيد، وخروجهم إلى البوادي من أجل هذه الغاية، يساهم مساهمةً كبيرة في تنمية شخصياتهم وتوسيع مداركهم، هذا بالإضافة إلى ما يتعلمونه من قيم البداوة العربية الأصيلة.
أصغر المشاركين
استحوذ الطفل سيف راشد الذي يبلغ من العمر نحو 9 سنوات على اهتمام قطاع كبير من العرب والأجانب الذين زاروا معرض الصيد والفروسية، ذلك لأنه يعد من أصغر المشاركين سناً، وهو يتقن مهارات الرقص التراثي بالأسلحة.
ويقول الطفل سيف: والدي يحرص على أن أكون إلى جواره دائماً في الملتقيات التراثية، وهو الذي جعلني أحب معدات الصيد، وأطمح حينما أكبر أن أكون ملماً بالصقارة عارفاً بها، كما أتمنى أن أفتتح متجراً يبيع معدات الصيد لمحبي التراث، موضحاً أنه يشعر بالتميز عن أقرانه بما يعرفه من مهارات في هذا المجال.
أبوظبي- محمد مصطفى موسى



