لم يكن ارتياد المرأة العربية دنيا الصحافة بالأمر السهل، فقد واجهت صعابا عديدة، لكن الحديث عن هذه الصعاب يتلاشى تماما ولا يكاد يذكر أمام الصعاب الجسيمة التي واجهتها حينما اقتحمت مجال صحافة الجريمة والحوادث، وأزاحت فيه العديد من الكفاءات الذكورية..

فلا حواجز توقفها، ولا نفير سيارات الشرطة والإسعاف المزعج بات يؤرقها، ولا مشاهد المنكوبين واللصوص وعتاة الإجرام باتت تفت في عزيمتها.. تعالوا نتعرف إلى تجارب عدد من صحافيات الحوادث وما يصادفنه في أصعب أقسام مهنة البحث عن المتاعب.

عندما اقتحمت المرأة عالم الصحافة مثلما اقتحمت مهناً عديدة كانت يوما ما حكراً على الرجال كان عملها يقتصر على الصفحات الفنية وصفحة المرأة ورسائل القراء وقليل منهن في مجالات السياسة والاقتصاد، لكن من خلال ممارستها مهنتها في هذه المجالات اكتسبت جرأة غربية وتمردت على الواقع، فدست أنفها في أقسام الجريمة حتى بسطت نفوذها على صفحاتها، لاسيما أنها أثبتت قدرة عالية على التواجد في قلب الحدث في وقت قياسي مهما كان متأخرا، وفي أي ساعة من ساعات اليوم، سيما وأن الكوارث والجرائم وكل الأمور المزعجة تحدث دوما في أوقات غير مناسبة..

هذا ما تؤكده الصحافية هويدا علي نائبة رئيس قسم الحوادث بإحدى الصحف المصرية المستقلة، مؤكدة أن صحافية الحوادث تعي تماماً أن تكون رهن الإشارة في أي وقت كان للانتقال إلى أماكن وقوع الجرائم أو الحوادث، وفي ظروف صعبة للغاية..

وكلما كانت قادرة على تخطي الصعاب والمتاعب واجتياز كل المعوقات الأمنية كلما أثبتت تميزها وتفوقها.. ولدينا نماذج عديدة لصحافيات مللن الأقسام التقليدية ويتنافسن على إثبات حنكتهن وجدارتهن في عالم الجريمة بشتى أنواعها.

لصوص ومتشردون

تؤكد الصحافية رانيا محمود أنها عاشت العديد من التجارب المثيرة والخطيرة بين جرائم وكوارث وحرائق مروعة وقضايا قتل وسطو، جميعها زادتها قوة وصلابة في مواجهة الصعاب..

وتتذكر أنها كانت ذات ليلة نائمة وصحت على رنين هاتفها المحمول لتجد إحدى صديقاتها تخبرها بأنها قادمة من الإسكندرية ووقع قبل ثوانٍ حادث بشع راح ضحيته العشرات فطلبت منها تحديد المكان فوراً وبمجرد انتهاء المكالمة أجرت مكالمة بزميلها المصور وسارعا إلى مكان الحادث المروع وبلغاه قبل حتى وصول رجال الشرطة والإسعاف.

راندا بدر، أكدت أنها لم تختار قسم الحوادث حينما شقت طريقها في بلاط صاحبة الجلالة، لكن أحد أقربائها ويعمل في الصحيفة نفسها في قسم الحوادث عندما علم بأنها غير سعيدة في قسم الأخبار طلب منها أن تنتقل إلى قسم الحوادث، ففعلت بعد تردد.

لكن ما هي إلا فترة وجيزة حتى وجدت نفسها غارقة في عالم من الإثارة والغموض، ولأنها بطبيعتها ملولة لا تحب الجلوس في المكاتب والأجواء الروتينية، فقد وجدت ضالتها في أقسام الشرطة بين اللصوص والمتشردين والقتلة، كما تعرفت إلى ما يدور في أروقة المحاكم والنيابات..

وأشارت إلى أنها عاشت أوقاتا عصيبة، منها حينما ذهبت لتغطية جريمة قتل، حيث حملت كاميراتها وأوراقها وهرولت إلى مكان الحادث لتجد أمامها جثة مقطعة بطريقة انتقامية بشعة، والقاتل يقف ببرود مقيدا بأغلال الشرطة، يومها لم تنم أبدا، بعد أن رأت جثة فتاة لم تتعد التاسعة عشرة من عمرها مجزأة إلى أكثر من 10 قطع، وكان القاتل شقيقها الذي شك في سلوكها نتيجة وشاية كاذبة.

بدورها تؤكد الصحافية لبنى عرابي أن الفتاة أصبحت أكثر جرأة وهي تحاول إثبات ذاتها دائماً، وأشارت إلى أنها منذ دخولها كلية الصحافة كانت تتمنى العمل في قسم الحوادث، موضحة أنها حينما التحقت للعمل بإحدى الصحف المستقلة رفض رئيس التحرير إلحاقها بقسم الحوادث بدعوى أنها ستفشل فيه، لذلك قامت بمغامرة صحافية تقمصت فيها دور متسولة واستعانت بزميل مصور وتخفيا في ثياب بالية.

وقاما بمهمتهما في العديد من الأماكن الحساسة في العاصمة المصرية والتي تمر فيها العديد من مواكب كبار المسؤولين أو يرتادها أفواج سياحية، وبنهاية اليوم الذي تضمن العديد من المشاجرات من متسولات منافسات أو محاولات للتحرش أو..

كانت حصيلة التسول في هذا اليوم تفوق راتبها لمدة شهرين، والأهم أن هذا اليوم شهد جواز مرورها رسميا إلى قسم الحوادث ممهورا بشهادة تقدير من رئيس تحرير الصحيفة.

القاهرة ـ دار الإعلام العربية