قالت الحكاية، شاب في العشرينات فقد هاتفه النقّال، فأصيب بسكتةٍ قلبيةٍ توفي على إثرها.
والحكاية على ما فيها من طرافة وتراجيديا قد تكون صحيحة، لكن.. هل فقدْ الهاتف النقَّال يستحق كل هذا الانفعال أو التوتر الذي يؤدي بصاحبه إلى الوفاة؟ ربما يجيب البعض.. بلا.. لأنه مجرد هاتف نقّال وبالإمكان الحصول على أفضل منه. لكن القصة ليست في الجهاز بحد ذاته، فبدل الجهاز هناك أجهزة.. وإنها ليست التقنية بل هي المحتوى.
فمن يدري ما الذي كان يحتويه هاتف شاب دخل لتوه بوابة الحياة الممتدة أمامه؟ أسماء وأرقاما، أم صورا لأشخاص قريبين جدا، أم أنه يحتوي على لقطات فيديو لمناسبات لها خصوصيّة كذكرى لا يمكن تكرارها كالنهر الذي لا يستطيع المرء عبوره مرتين؟
هذه الأسئلة هي المهمة هنا، أما الهاتف النقَّال فمهما كان حجمه وشكله وسعره، فأمره هين ولا يستحق حتى التفكير فيه، خصوصا في هذه الأيام التي فيها الهواتف على «قفا من يشيل» في السوق.
ليست المرحلة العمريّة وحدها هي التي جعلت الشاب ضحية سهلة للهاتف المفقود في تلك القصة، ولا غضاضة تجربته الحياتية، ولا حتى قلة الوعي والتعليم لها دور..أبدا، إنما «المهم والخاص والنادر» في الهاتف، هذه كلها هي التي شكّلت بالنسبة له مكونات الكارثة التي لم يستطع مقاومتها فأسكتت قلبه اللدن.
إن الفتى اليافع، بعد تأكده من ضياع الهاتف، استدعى ذهنيا فيلما قصيرا ومهما كالطيف لمدة ثوان معدودة ربما، رأى فيه حجم الاستباحة التي ستتعرض لها محتويات الهاتف الخاصة بعد افتراض سقوطه في يد شخص غريب، عندها لم يتحمل ما صوره له عقله فكانت النتيجة على هذا النحو التراجيدي.
قد يخلص المرء إلى دلالات من بينها أن التقنية ليست موضوعا بحد ذاتها، إنما المحتوى هو الذي يكسبها أهمية ويعطيها قيمة، بمعنى أن المعلومة بصفتها علما ومعرفة هي الأساس هنا ولها الأولوية على التقنية الحديثة، بل لا يمكن دراسة موضوع التقنية الحديثة من دون اقترانها بالمحتوى.
وعلى أساس من هذا علينا تصوّر الجدوى وراء استيراد تقنية حديثة من غير فكر تقني يتزامن معها، إن لم يكن سابقا عليها. وتصوّر الحكمة من استخدام التقنية الحديثة من دون توظيفها في عملية تحديث شاملة كجزء مهم من خطط التنمية خصوصا في مجتمعاتنا العربية، وتصوّر إلى أين نحن ذاهبون ونحن نتمتع بالقدرة على شراء التقنية والحركة بها في كل اتجاه، بينما ما زلنا لم نسجل شيئا عمليا ذا قيمة يزيد من ثقتنا بأنفسنا.
يبدو أنه إذا ما بقينا على ما نحن عليه في التعامل مع التقنية الحديثة التي دخلت بيوتنا ومكاتبنا ومركباتنا، كوسيلة حياة ضرورية، فإن قصة الشاب غير المؤكدة، ستتكرر لكن بشكل سخرية هذه المرة. وهذا ما لا يتمناه الإنسان.
ناصر محمد - الإمارات