كلما زادت التطورات التكنولوجية في حياتنا اليومية، زادت تعقيداتها وتشابكاتها مع المصالح الاجتماعية لفئات محددة يأتي على رأسها الأطفال والشباب.
ومع تطور السبل التي تبحث عن توفير أعلى سبل الراحة والرفاهية، تزداد مشكلات قديمة وتتعمق تأثيراتها، أو تظهر مشكلات جديدة تطفو على السطح لتعلن أن للرفاهية ضريبة وللتطور التقني فاتورة يجب أن نسددها إن عاجلاً أو آجلاً. وانعكاسات التليفزيون على سلوك الأطفال متعددة، تناولتها بالبحث دراسات وأبحاث عديدة، وأجمعت هذه الأبحاث على أن الطفل من أكثر الفئات تأثراً بالجانب السلبي لهذا الجهاز الإعلامي الضخم، لدرجة أنه يمكن تغيير سلوكه من طفل سوي مطيع إلى طفل شديد العداء والمشاكسة وذي نزعات عدوانية ليس فقط تجاه المحيطين به، بل تجاه ذاته أحياناً.الطفل بطبعه يميل إلى التقليد والمحاكاة، وعلينا أن نمده بالمثل الأعلى.. هذا ما يؤكده ناصر موسى.
ويضيف أن غياب المثل الأعلى للطفل يقوده للشعور بالفراغ في هذه المنطقة من شخصيته، فيبحث من بين الشخصيات المتاحة في عالمه الصغير عن شخص يتخذه مثلاً أعلى فلا يجد إلا الشخصيات التي يشاهدها في التليفزيون أو تلك التي تظهر له في ألعاب (البلاي ستيشن) فتكون النتيجة تشبعه بهذه الأفكار الشريرة التي يقدمها له الشخص الذي يمثل بطولة اللعبة أو الفيلم السينمائي الذي يشاهده.يشير موسى إلى أن التطورات المتعاقبة في مجال ألعاب الفيديو تقدم دائماً النماذج السلبية إلى الأطفال على اعتبار أنها تحوز دائماً الإعجاب وتلعب أدوار البطولة وقيادة الغير، والطفل بحكم تكوينه العقلي المحدود وقلة خبرته يسارع إلى تبني هذه الأفكار.
وأعتقد أن الخطر هنا يكمن في إهمال الوالدين لطبيعة ما يشاهده الأبناء ودورهم الرقابي الغائب عن هذه المواد الواردة من الخارج، ويضيف أنه كان يمارس ألعاب الفيديو تحت رقابة الأسرة وتوجيهاتها، وهذه من الأمور المسلمة التي لا يجب أن تغيب عن أعين الآباء لأنها تمثل خطورة بالغة على مستقبلهم السلوكي.
وربما يظن البعض أن توسيع هامش الحرية المتاح للأبناء من شأنه إثراء تجاربهم أو مساعدتهم على فهم أعمق لمجريات الحياة، ولكن أتصور أن ذلك خطأ كبير لأن الأطفال في هذا العمر يتأثرون سلباً بتجارب الآخرين، خاصة إذا كان المصدر هو أجهزة التليفزيون وبرامج الفيديو والبلاك بيري وغيرها.
ثقافة غنية
يرى أيمن الداوود أن ثقافتنا العربية غنية بالثروات المعرفية التي ينبغي علينا نقلها إلى الأجيال الجديدة دون الاستعانة بالبرامج الثقافية الأجنبية الواردة من الخارج، ويضيف أننا كعرب أصحاب تراث ضخم يستغرق منا سنوات طويلة لكي نستخلص منه العبر والمواعظ وننصح بها الأبناء والأجيال القادمة.
ويشير إلى دور اللعبة في حياة الطفل وكيف يمكن لنا أن نستثمرها لكي نوجه سلوك الطفل نحو الإيجابيات الأخلاقية، والمشكلة الحقيقية أننا لا نقدم لأطفالنا بدائل من التراث العربي إلا فيما ندر، والمشكلة الأكبر أن الآباء تنقصهم التوعية بضرورة انتقاء ما يشاهده الأبناء من برامج وأفلام سينمائية لأن التوجه العام هو اهتمامهم بتوفير الجانب المادي وتأمين متطلبات المعيشة.
يشير الداوود إلى طبيعة مجتمعنا الذي يهتم بالأخلاق والمثل العليا واحترام الآخر وتوقير الكبير وغيرها من القيم الأخلاقية التي ما زلنا نحرص عليها ونتمسك بها، بينما هناك فارق كبير في القيم بيننا وبين الغرب وبالتالي لا يمكن قبول الفكر الغربي في برامج الأطفال على علاتها، علينا اختيار ما يفيد الأجيال الجديدة والتفرقة بين الغث والسمين من الأفلام التي يشاهدها أطفالنا وشبابنا.
ويضيف أيمن أن هناك ألعاباً للأطفال والمراهقين تحمل مضامين عنيفة وأغلب هذه الأفلام تمت صناعته في الدول الغربية، منها مطاردات بالأسلحة وأعمال قتل وضرب وحروب بين عصابات وصراعات مجسدة بالرسوم المتحركة.
وأعمال انتقامية بين شخصيات تحمل النزعات العدوانية، وأتصور أن كل هذا يحرك العنف الكامن في داخل الطفل البريء ويحوله إلى صاحب خبرة في الاعتداءات والأسلحة والانتقام، ويدفن نوازع البراءة والتلقائية فيه.
مصيدة الشبكة
يؤكد مصطفى الشناوي ما سبق ويضيف أن مسؤولية تربية النشء تفرض على الكبار أن يتحكموا في شبكة الانترنت إذا استخدمها الأطفال، ففي هذه الشبكة العنكبوتية الخطيرة نجد كل ما نبحث أو لا نبحث عنه، والمجال مفتوح في الانترنت لكل طفل أو شاب أو حتى شخص بالغ للحصول على المواد التي لا تتوفر له في المجتمع على اعتبار كونه مجتمعاً محافظاً.
والمشكلة التي تواجه بعض الآباء ومنهم أنا أن الخبرة في مجال التعامل مع الكمبيوتر بشكل عام قليلة ومع الانترنت بشكل خاص نادرة، وهذه المشكلة تقلل من مجال مراقبة سلوك الأطفال أو الأبناء عند استخدام الانترنت، وعندما كنا أطفالاً لم يكن متاحاً أمامنا سوى التليفزيون بقنواته المحلية وجهاز الفيديو وكلاهما تحت رقابة مشددة من الأهل تفادياً لوقوع أية تجاوزات منا.
الغريب، كما يقول الشناوي، أن الأجيال الجديدة تبحث عن كل ما هو جديد في عالم أفلام الرعب، ويضحك متذكراً عندما أراد أن يحكي قصة لحفيده ذي السنوات السبع، فقال له الطفل بمنتهى البراءة حرفياً «بشرط تكون قصة رعب»!!
ويشير الشناوي إلى حدوث انفلات في الرقابة على مواد الانترنت من الأهل بسبب الانشغال بتوفير الموارد المالية للأسرة، ويضيف أن الدور المتوقع في مثل هذه الأحوال هو دور الأم في ملاحظة وتقويم ما يشاهده الأبناء سواء في التليفزيون أو من خلال شبكة الانترنت.
محمد عبد الرحمن ينفي مسؤولية أجهزة الإعلام أو التليفزيون عن السلوك العدائي لدى الأطفال، مؤكداً أن ما يراه الطفل من خلال التعامل اليومي له تأثير أكبر وأعمق، ولأن الطفل يعاني من الفراغ في فترات الصيف أو فترات المساء بعد انتهاء اليوم الدراسي، فهو يتجه لقضاء الوقت مع أقران السوء.
ومن خلال هذه اللقاءات يخرج خيال كل منهم بقصة بطولية وهمية تلهب حماس الباقين وتجعلهم يتمنون لو كانوا أصحاب هذه المواقف، ثم لا تمر لحظات حتى يقوم بعضهم بتحويل الأمنية إلى واقع من خلال القيام بفعل أو رد فعل عنيف، وهذه المشاركات في الأفكار بين المراهقين تؤدي إلى عواقب وخيمة أكثر تأثيراً من وجهة نظري الشخصية من تأثير الانترنت أو التليفزيون.
ويضيف عبد الرحمن أن مراقبة الأهل لما يقبل الأطفال على مشاهدته ومنعهم من متابعة أفلام العنف قد يكون جزءاً من حل المشكلة، ولكن يبقى الجزء الرئيس في الحل وهو أن نملأ وقت فراغ الطفل خلال الإجازة الصيفية بما يفيده إفادة حقيقية ويجذب اهتمامه بنفس درجة الأفلام العنيفة وألعاب الفيديو جيم.
شروط المشاهدة السليمة
يؤكد الدكتور علي الحرجان اختصاصي الطب النفسي أن التليفزيون وشبكة الانترنت من الوسائل المهمة للطفل لاستقاء المعلومات ولها دور إيجابي في تطوير معارفه وإدراكه، إلا أن هناك تحفظات ثلاثة يجب وضعها في الاعتبار عند تعريض الطفل لهذه الوسائل تجنباً لسلبياتها خاصة لمن هم في عمر الطفولة، أول هذه التحفظات هو عدم السماح له أن يشاهد كل ما يعرض، فقط علينا السماح له بمشاهدة ما يناسب سنه.
فالطفل لا يعي ما يفوق خبراته التي تلقاها خلال السنوات القليلة الماضية، كما أنه يتأثر سلباً بما يراه من مشاهد عنف أو قتل ولا يجيد استيعابها بطريقتنا نحن البالغين، فهو مثلاً لو شاهد مشاجرة في فيلم تستمر 5 دقائق، يتبادل خلالها شخصان الضرب واللكم، ويلاحظ أن الممثل المضروب يسقط على الأرض ثم يعاود النهوض لاستكمال المعركة، إذا شاهد ذلك يتصور أنه طبيعي، وقد يبادر إلى لكم شقيقه الأصغر أو صديقه ويتصور أنه سيبادر إلى النهوض سريعاً، وهنا يتضح لنا أنه لا يفهم الفارق بين التمثيل والواقع.
والشرط الثاني هو أن يرافق الأهل أبناءهم أثناء المشاهدة، أو تصفح الانترنت لمساعدتهم على تفسير ما يصعب عليهم وتوضيح الفارق بين الواقع والخيال وتأكيد أن مشاهد القتل ليست حقيقية ومن يؤديها فقط يجسدها لنا ولا يمارسها عملياً، أيضاً من المهم ألا نترك أبناءنا يشاهدون التليفزيون لفترات طويلة.
وكذلك الإبحار عبر شبكة الانترنت، لأن التعرض الطويل لهذه الوسائل يؤدي إلى التعود عليها فتصبح بعد فترة من الوقت جزءاً من حياته لا يمكنه التخلي عنه أو تقويمه.
علاقة وثيقة بين العنف والانترنت
حول أسباب السلوك العدواني عند الأطفال والمراهقين، ذكرت الدكتورة ناديا بوهناد مؤسس ومدير عام سيكولوجيا للاستشارات ضمن ما نشرته «البيان» عن ندوة الثقافة والعلوم، أن هناك مشكلتين رئيسيتين، الأولى تتعلق بإدمان هؤلاء الأطفال والمراهقين على مشاهدة التلفزيون واستخدام ألعاب الفيديو بالإضافة إلى تعلقهم بمنتجات التكنولوجيا الحديثة مثل الـ «بلاك بيري».
والانترنت نتيجة الشعور بالفراغ وما يصاحب ذلك من فشل دراسي وانطواء على الذات، أما المشكلة الثانية فتتعلق بسهولة حصول هاتين الفئتين العمريتين على السلاح الناري أو الأبيض ومن ثم إمكانية استخدامه في المشاجرات.
واستشهدت بوهناد بدراسة أجراها الدكتور أحمد الخياط الخبير التربوي في وزارة التربية والتعليم حول الانترنت، خاصة وأن تلك المعطيات أظهرت أن أسباب إقبال الطلاب على مقاهي الانترنت تتلخص في ضعف رقابة الآباء.
والبحث عن الممنوع ثم توفر السيولة المادية وانخفاض رسوم المقاهي، التي بينت أن إسراف الطلاب في استخدام الانترنت قد أفرز آثاراً سلبية خطيرة، جاءت في مقدمتها الآثار الأخلاقية بنسبة 25%، ثم السلوكية بنسبة 19%، تليها الدراسية بنسبة 18%، والآثار الاجتماعية 14%، والآثار الصحية والنفسية 12% لكل منهما.
أيمن حجازي


