في حياتنا نمر بالكثير من التجارب ونتعلم منها، وفيها نتعرف على شخصيات كثيرة بعضها نتعلم منه ويتحولون إلى قدوة لنا نحتذي بهم بكل شيء إيجابي، ونتطلع إلى أن نصبح مثلهم.
ولكن يبدو أن تسارع الحياة وتعقيدها، قد خلق فجوة كبيرة بين الأجيال الماضية والحاضرة، وجعلت لكل جيل منهما اعتقادات ومبادئ وشخصيات مختلفة، وبنظرة سريعة سنجد أن الجيل الحالي مختلف تماماً حتى في قدواته الذين تحولوا من العلماء ورجال السياسة والأدب إلى المطربين والممثلين الذين بنوا شهرتهم بسرعة دون تعب واضح، مما شكل فراغاً كبيراً لدى الشباب.وقد لا نلوم الجيل الحالي على اختياراته، لأن الإنسان في النهاية يحتاج إلى شخصية يعجب بها ويقتدي بأفعالها وسلوكها، وفي تحقيقنا هذا حاولنا مناقشة هذه القضية مع الشباب أنفسهم لنتعرف من خلالهم على أسباب غياب القدوات الصالحة والفاعلة في المجتمع من وجه نظرهم، وأسباب توجههم نحو قدوات جديدة مختلفة في كل شيء بفكرها وعلمها وحتى أهدافها، وأسباب تعلقهم بالموضة والتقليد.
يقول حمد جاسم الحلو (طالب) والذي فاز مؤخرا بجائزة حمدان بن راشد للأداء المتميز التميز: «أعتقد أن من أهم أسباب غياب القدوة لدى الشباب هو أن الحياة أصبحت بالنسبة لهم مادية الأمر الذي أفقدهم التخطيط للأهداف.
والسبب الثاني هو غياب الشخصيات التي من المفروض أن تكون قدوة لهم عن أرض الواقع في حين أن المطربين والممثلين برزوا بقوة واستطاعوا إيجاد الأرضية الخصبة لهم خاصة في الانترنت، فلو فتحنا أي موقع الكتروني سنجد الكثير من المواد منشورة عن المطربين والممثلين هم، وهذا سهل على الشباب اتخاذهم قدوة»، وواصل:
«بتقديري أن الحل يكمن في تعريف الشباب على أشخاص يستحقون القدوة، وأن يتم تعليمهم المعايير الحقيقية للقدوة، وهذا يبدأ من البيت والبيئة التعليمية في المدرسة والجامعة، بحيث تمنح الشاب ما يحتاج إليه».
تشتيت الفكر
أما الطالب محمد عبد المجيد البنا فقال: «من أهم الأسباب التي شتت فكر الشباب هو عدم معرفتهم لطرق تعبئة أوقات فراغهم، ولذلك أصبح الشباب دون هدف أو خطة مستقبلية يسير عليها.
وقد ساعد في ذلك قلة الوازع الديني وافتقار مجتمعاتنا إلى الشخصيات القوية التي يمكن أن تكون قدوة صحيحة للشباب، ولذلك نجد أن كثيراً من الشباب وجدوا في الانترنت وسيلة سهلة لتعبئة فراغهم ومعظمهم لا يوظفها بطريقة صحيحة يمكنه الاستفادة منها.
والحل يكون بتعليم الشباب كيفية اختيار الهدف وإعداد خطط حياتهم، بحيث يعود الشاب لمراجعة خططه بين الفترة والأخرى، وأن ينظر إلى ما تقوم به شخصيات المجتمع المهمة وكيفية الطرق التي يفكرون بها، لأن ذلك سيسهل عليه أن يرفع من قدر نفسه وبالتالي من قدر وطنه».
ومن جهته، قال أحمد سالم آل علي (طالب): «معظم الشباب أصبح هدفهم هو الانتهاء من الدراسة فقط دون التفكير في التميز بعلمهم وحياتهم، وهذا نتيجة مباشرة لغياب القدوة التي ساهم فيها عدم المعرفة والقراءة ومتابعة الشخصيات المؤثرة في المجتمع.
ولذلك وجدوا في المطربين قدوة سهلة لهم، لأن هؤلاء حصلوا على الشهرة بسرعة كبيرة ولم يتعبوا فيها بخلاف شخصيات المجتمع الأخرى التي تعبت كثيرا للوصول إلى منصب معين.
وهو الفرق بين الجيل الحالي والأجيال السابقة التي اهتمت كثيرا بالمعرفة والقراءة، واستطاعت أن تستفيد منها كثيرا وان توظفها لصالحها، وأعتقد أن الحل يكمن في تعليم النشء منذ الصغر على الاهتمام بهذا الجانب وتنميته، وبكيفية اختيار الأهداف وتحقيقها».
عولمة وتغيير حضاري
وعن الأسباب التي أدت إلى غياب القدوة لدى الشباب، قال الدكتور جاسم المرزوقي، استشاري الإرشاد والصحة النفسية وعضو جمعية الإمارات النفسية:
«مظاهر العولمة والتغير الحضاري والنقلة السريعة التي يشهدها العالم في مختلف المجالات خاصة التكنولوجية تعتبر من أهم الأسباب، فالانفتاح العام في مدركات ومستقبلات الدماغ للصور والنماذج الحية والضمنية، الحقيقية والخيالية سواء الدارجة في الحياة أو المبثوثة عبر أجهزة الإعلام، التي أصبحت من مظاهر الحياة اليومية حول العالم ودعم ذلك غياب التوجيه الأسري إما لأسباب عصرية تقليدية لصرعات غربية.
أو نتيجة الجهل بأثر هذه الممارسات على عقول الشباب، بالإضافة إلى ذلك ضعف الوازع الديني والابتعاد عن القيم والعادات والموروثات البيئية والهوية الوطنية.
والتي أثرت كثيرا على توجهات الجيل الجديد خاصة في ظل (لا قدوية الآباء) الذين هم أساس المشكلة بانحلال البعض من قيمه وهويته ومجاهرته بالممارسات الخاطئة أمام الأبناء مما يبعث برسائل مباشرة وضمنية إلى الأبناء».
وحول السبيل لتوجيه الشباب نحو الطريق الصحيح، قال المرزوقي: «تعتبر الإمارات واحدة من الدول التي وعت مبكراً لخطورة هذه الظواهر والممارسات فاتخذت إجراءات أمنية، وثقافية، وتوعوية، ورياضية، وترفيهية للحد منها، ولذلك نجد أنها أنشئت النوادي الرياضية والثقافية وأسست المنتديات ونظمت لقاءات مع المسؤولين والشخصيات المرموقة في الدولة للتعاون معها في تنظيم حملات توعوية لحث الشباب على الممارسات الإيجابية».
وشدد المرزوقي على دور الأسرة وأهميتها في تربية وتوجيه وتأسيس الشباب على القيم والمبادئ الأصيلة لإخراج جيل واعٍ ومثقف ومتزن عقلياً وفكرياً.
مسؤولية كبيرة
ومن جهتها قالت الأخصائية الاجتماعية في مدرسة الاتحاد الخاصة بالممزر، أروى سيف: «تعتبر القدوة من أسباب النجاح في الحياة لأثرها الكبير في بناء الشخصية، فهي تدل على ما يقتدي به شخص معين أو ما يتخذه مثالا له في الحياة، لتكوين سلوك جديد أو لتعديل أفكار ما، وميل الشباب إلى اتخاذ قدوة ما هو إلا استجابة طبيعية لحاجة داخلية تعبر عن وجود نقص ما يشعر به المرء ويحتاج إلى إشباعه.
واتخاذ قدوة ما أو مثل أعلى يبدأ من الصغر عندما يبدأ الطفل بتقليد أباه في تصرفات وسلوكيات يظهرها الأب أمام أبنائه ليقتدوا بها، الأمر ذاته بالنسبة للبنات فهن لصيقات أمهاتهن فيقلدن ما يشاهدنه من تصرفات وحركات تصدر عن الأم». وأضافت: «إن الحاجة للقدوة هي أمر جوهري مشترك بين الشباب، ولكنها تختلف بكمية وجودها في حياتهم.
فالناس العاديون لا تمثل القدوة لهم ما تمثله لغيرهم من المتميزين، ويعتبر وجود القدوة ضرورة تربوية لنمو الشخصية في سياقها الطبيعي، ولكن لا بد من محددات أو ضوابط عند اتخاذ قدوة ما، بحيث يكون الامتثال سويا مع ضرورة أن تنسجم رؤى الشخص وأفكاره مع النموذج القدوة الذي تم اختياره».
الأقربون الأكثر تأثيراً في صياغة قدوة المراهقين
أكد الدكتور جاسم المرزوقي، استشاري الإرشاد والصحة النفسية وعضو جمعية الإمارات النفسية على ضرورة التركيز على قضية القدوة في حياة الشباب، وقال: «لابد أن نعي بأن إحدى سمات مرحلة الشباب هو التقليد والتجريب والتي عادة تمتد من 3 - 18سنة مع امتدادها أحيانا لمدة أطول، إذا يسعى المراهق خلالها نحو البحث عن هويته، وبمقدار العوامل التي تسهم في تكوين شخصيته منذ الطفولة بمقدار نضجه في اختياره لهوية متزنة وسليمة.
وأشار المرزوقي إلى أن الأقربين هم دائماً محل انجذاب للمراهقين في أدق ما يقومون به هؤلاء المقربون من تفاصيل، وبالتالي فإن التأثير يبلغ مداه كلما تواءم ذلك مع تكوين المراهق الشخصي وتمثيله، وهنا خطورة الأمر إذا كان القدوة في محيط المراهق سيئاً فإنه يؤثر وبشكل كبير في نمط شخصية المراهق. مبيناً أن غياب القدوة قد يشكل عاملاً مضاعفاً للتأثير على الشباب فيزيد من نسبة الظواهر السلبية على وجه العموم وليس الجريمة والعنف فقط.
غسان خروب

