اختتمت، أول من أمس، «الندوة التخصصية عن المفكر الراحل فؤاد زكريا»، التي نظمتها مؤسسة العويس الثقافية، في مقرها بدبي، على مدار يومين باثارتها لجملة من التناقضات حول فكره و منهجه ومدرسته.

وقدمت للجلسة الأولى في اليوم الختامي، فاطمة الصايغ، ثم تحدثت فيها الباحثة الإماراتية فاطمة السويدي موضحة الآفاق الجمالية عند زكريا، والذي ـ حسب وجهة نظرها ـ انه لم يحظ باهتمام نقدي كاف، خصوصا وانه كان قد لخص جميع آرائه الجمالية في كتابه «آفاق الفلسفة»، الذي طرح فيه ارتباط الجماليات بالمجالات المعرفية المتعددة. وناقشت السويدي مضمون ما توصل إليه المفكر الراحل من آراء بلورها مع معطيات فكر ورؤى كل من ديكارت وبيكون، مستنداً إلى علم التشريح.

مشروع حداثي

استهلت الجلسة الثانية بتقديم للشاعر والباحث الإماراتي حبيب الصايغ، قرأ فيه أبياتا شعرية تتسق وروحية موضوع الندوة، ثم انتقل للتعريف بالمشاركين في الجلسة. وبعد ذلك ناقش مجدي عبد الحافظ (مصر)، في ورقته، بعنوان «معارك فؤاد زكريا الفكرية»، منحى وطبيعة ما قام به زكريا في مواجهة من اعتبرهم خصوماً للحداثة، وخاصة في سجاله معهم، مثل :

متولي الشعراوي ومصطفى محمود وحسن حنفي ومحمد حسنين هيكل (ولو بدرجات مختلفة). وطرح عبد الحافظ سؤالا جوهريا في هذا السياق: هل كان فؤاد زكريا مغترباً ومتبنياً للأفكار الغربية، ما جعله أسيراً للمركزية الأوروبية؟ وانتقل الباحث إثرها إلى تأكيد حقيقة أن زكريا كان ينظر إلى الحداثة كونها تطير بجناحين، هما: الفردية والعقلانية.

وهو قد تأثر كثيراً بالمكفرين: باشلار وبوكر، واعتبر العلمانية ضرورة مطلقة في وجه التخلف العلمي والجمود الفكري والاستبداد، إضافة إلى انه آمن بأن التفكير العملي يعمل على تغيير المجتمع. وخلص عبد الحافظ إلى تأكيد نتيجة أن معارك زكريا الفكرية لم تكن تنفصل عن مشروعه في الحداثة.

المفكر العقلاني

كما تحدث عبد الرزاق المضرب (الإمارات)، في الجلسة الثانية أيضا، عارضا لماهية وتكوين وبنية «سلطة العقل عند فؤاد زكريا»، حيث إنه أكد أن لا وجود للفلسفة بدون عقل، وقارب المضرب، فكر زكريا مع طروحات الفيلسوفين برغسون وديكارت، مشددا على أن المفكر الراحل كان يرفض العقل الجامد «الدوغمائي»، وأنه طالما اعتبر أن طريق بناء المجتمعات يمر من خلال العقلانية.

واستشهد بقول زكريا: «لا سيادة للعرب دون اللجوء إلى العقلانية»، موضحا هنا أن الإنسانية بحاجة إلى شاعر وعالم في آن واحد. وانتقل بعدها لذكر طبيعة توصيف زكريا لمعوقات التفكير العلمي، إذ حددها وحصرها ب:

التعصب والسلطة، والإعلام المضلل، الفكر الأسطوري والخرافي، كل ما من شانه أن يقف ضد العلم. مستنتجا في نهاية ورقته أن هذا الأساس هو ما جعل فؤاد زكريا يرفع شعار العقلانية في وجه الحركات الإسلامية.

مثقف نقدي لا تقني

كان ختام محاور بحث ونقاشات الندوة مع المفكر السوري محمد جمال باروت، الذي قدم ورقة بعنوان «العلمانية من منظور فؤاد زكريا.. المفهوم وحدوده»، حيث حدد ووصف فيها نموذج المثقف الذي جسده المفكر الراحل فؤاد زكريا، شارحا أنه كان بمثابة المثقف النقدي الذي يسهم في تغيير المجتمع، وليس المثقف التقني، وساق باروت مثالا توضيحيا لذلك أشار فيه إلى أن زكريا كان كطبيب القرية الذي لا يهتم بمعالجة المرضى فقط، بل يدس أنفه في جميع شؤونهم.

وبين الباحث أن المفكر الراحل هو من نوعية هذه الفئة من المثقفين والتي كانت تسمى «الانتلجنسيا» في روسيا، إذ عرفت بفاعليتها في القرن التاسع عشر. ومن ثم تحول للحديث عن الرابط الحقيقي بين الحداثة والعقلانية، والتماهي بينهما لدى فؤاد زكريا، لافتا إلى انه قدم بذلك نموذجا للعلمانية المؤمنة.

وقد أثار عرض باروت لهذا المصطلح، جدلاً كبيرا في الندوة. ولكن الباحث توسع في برهان وشرح فكرة مصطلحه هذا، وانتقل للإشارة إلى الخطأ الذي وقع فيه المفكر الراحل، والمتمثل بوضعه كافة الحركات الإسلامية في سلة واحدة، دون التمييز بين اختلافاتها الفكرية وتنوعها.

وبين باروت أن فؤاد زكريا عاش في فترة غنية في الأربعينات التي شهدت ظهور حركات يسارية وتحالفات متعددة، ولكنه كان بعيداً عنها، وهو ما يُؤخذ عليه لأن تلك الفترة كانت في أوج غليانها، وهذا طبعا على الرغم من ايمانه بالعلمانية المتفتحة غير المعتقدية، والتي واجه بها الإسلاميين.

دبي ـ شاكر نوري