لو ألقى الفرد نظرة من حوله على الأشياء العضوية المحيطة به، سواء كان خشب الطاولة أو جلد اليد مثلاً، لوجد أنها مصنوعة من خيوط من ذرات الكربون، ولا تختلف الحال بالنسبة للنفط، الذي يشغل السيارات، والفحم، الذي يدير بعض محطات الطاقة، وكل هذا الكم الهائل من الكربون آت من الهواء، وتحديداً من ثاني أكسيد الكربون في الجو.

تعتمد الحياة على وجه الكرة الأرضية، من صغار النمل إلى الحيتان الزرقاء الضخمة، على قدرة النباتات على تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى طعام، فمن غير الفضلات الناتجة عن تلك العملية، ألا وهي في هذه الحالة الأكسجين، تموت الكائنات الحية في دقائق معدودة، غير أن عملية التمثيل الضوئي لا تزال غير فعالة بشكل واضح من نواح عدة.

ومع تزايد عدد سكان العالم ليبلغ 9 مليارات نسمة بحلول عام 2050، كما يتنبأ العلماء، أصبحت الحاجة لزراعة المزيد من المحاصيل أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، ويعتبر هذا الأمر تحدياً كبيراً، خاصة في ظل التغيرات المناخية وما صاحبها من ازدياد درجات الحرارة، وتزايد أعداد الفيضانات ونوبات الجفاف، وما تؤدي إليه تلك الظواهر من أضرار بالبيئة والإنسان، مثل الحرائق التي اجتاحت روسيا، أخيراً، وكذلك الفيضانات في باكستان التي دمرت المحاصيل.

يمكن لتحسين عملية التمثيل الضوئي نفسها أن يؤدي إلى زيادة كميات المحاصيل بشكل جذري، صحيح أن الفكرة تحوي في ظاهرها قدراً كبيراً من المغالاة، لكنها في الحقيقة قابلة للتنفيذ من الناحيتين النظرية والعملية، فبعض النباتات قد فعلتها بنفسها، وطورت عمليات التمثيل الضوئي الداخلية لديها، ويسعى الباحثون في الوقت الراهن لتقليد هذا التطور في محاصيل القمح والأرز، وقد تحققت نتائج إيجابية في المختبرات في هذا الصدد، وإن لا تزال على نطاق ضيق.

ومن المفاجئ أن إحدى الطرق لفعل ذلك تكمن في تقليل نسب الجزيئات التي تستقبل الطاقة الشمسية، حيث وجد الباحثون أن النباتات تنتج أربعة أضعاف حاجتها الحقيقية من الكلوروفيل الذي تستخدمه في عملية التمثيل الضوئي.

وهي تفعل ذلك لأنها لو أنتجت قدر حاجتها فقط من الكلوروفيل، فسيؤدي ذلك إلى نفاد كمية أكبر من الضوء عبر أوراقها لتصل إلى بذورها، فتنمو بأعداد أكبر من حاجتها للبقاء، وفي هذا يقول الدكتور دون أرت من جامعة ألينوي الأميركية: «لا تسعى النباتات لتحسين إنتاجها، ولا تطور قدراتها من أجل هذا الهدف، إنما هدفها الوحيد هو البقاء، وهي تنتج بقدر ما تحتاج لأن تبقى وتستمر فقط».

لهذا فإن النباتات، بإنتاجها لتلك الكمية الزائدة من الكلوروفيل، تؤثر على أوراقها السفلية، كما أن الكلوروفيل الزائد يؤدي ببعض الأوراق إلى امتصاص طاقة الضوء بشكل نهم وأسرع من قدرتها على استخدامه، ما يمكن أن يؤدي إلى تلفها، وهذه تعتبر عملية مكلفة للنبتة، وهو أحد الأسباب الرئيسة في أن المحاصيل تنتج من الطعام كمية أقل من المفروض لكل وحدة ضوئية، وثبت بالتجربة أن حرمان نبتة فول الصويا من نصف الكلوروفيل المخزن في أوراقها أدى إلى زيادة إنتاجها بنسبة 30%، مقارنة بنباتات فول الصويا غير المعدلة مخبرياً.

ويتم حالياً تطوير الأنواع الحديثة من المحاصيل النباتية لبناء أوراق كبيرة الحجم ومتناسقة وسريعة النمو قادرة على احتجاز الضوء عند الأطوال الموجية المناسبة وقت موسم النمو والتكاثر، ومن الناحية النظرية، فإن النباتات قادرة على التقاط مدى أوسع من الأطوال الموجية، لكن تطبيقه لا يزال صعباً على مهندسي الأحياء اليوم.

عموماً، فإن كمية الطعام التي تستطيع نبتة ما إنتاجها لا تعتمد فقط على كمية الطاقة التي تحتجزها، ولكن على مقدار فعالية النبتة في احتجاز تلك الطاقة من الناحية الكيميائية، أي فيما يتعلق بالروابط المتضمنة للسكر والنشاء، وفي عملية التناسب بين السكر والنشاء فيها خاصة أن هذين العنصرين يتجهان دوماً للأجزاء القابلة للأكل في النباتات، في النهاية، وهذا ما كانت تعزف عليه أوتار الثورة الخضراء في الستينات.

حيث كان العلماء يركزون على إنتاج أنواع من القمح والأرز ذات ساق قصيرة تضع نصف نتاجها الضوئي في بذورها، لكن من غير المحتمل أن ينجح الباحثون في تطوير هذه المسألة أكثر، فالفصائل الحديثة من النباتات لا تستطيع تحويل المزيد من الطاقة من جذوعها إلى بذورها، وفي الوقت نفسه تصمد واقفة حتى موسم الحصاد.

إعداد ـ يوسف جباعته