تتواصل «البيان» أسبوعياً مع قرائها عبر رحلة مع نخبة من المستشرقين، المتميزين بمكانتهم العلمية الرفيعة، وروحيتهم الموضوعية المنصفة، في إضاءة فضل العرب والمسلمين، بكنوزهم المعرفية في الطب والكيمياء والرياضيات والفيزياء والآداب، على نهضة الحضارة الأوروبية والغربية، الممتدة من قلب الأندلس غرباً، إلى تخوم الصين شرقاً، حيث أسهموا في إطلاق عصر النهضة، وتطور علوم البشرية في العصر الحديث.
هذه الشهادات الموثقة لهؤلاء المستشرقين المنحدرين من قارات العالم الخمس، بمؤلفاتهم وترجماتهم وسيرهم، تؤرّخ لعلومنا وآدابنا، وتنير الجسر الرابط بين ماضينا وحاضرنا.لم يتحمل ما شاهده من قصف في بيروت أثناء الاعتداء الإسرائيلي في عام 1982. وكان المستشرق الألماني غيرنوت روتر متواجداً مع زوجته هناك، وشهد بنفسه مجازر صبرا وشاتيلا، ما جعله ينغمس في الهموم السياسة منذ ذلك الحين وحتى آخر حياته. وبعد عامين، أصبح أستاذا في الدراسات الشرقية المعاصرة، والتي تم إنشاؤها في مدينته هامبورغ. وانشغل كثيراً بالمعالجة الفكرية للصورة النمطية التي تقدمها كتب التاريخ المدرسية في ألمانيا عن الإسلام والتي تنحصر في الوقائع التي اصطدم بها العالمان المسيحي والإسلامي في الحروب والأزمات:
معركة بلاط الشهداء، والحروب الصليبية، ووصول الأتراك المسلمين إلى البلقان ووقوفهم على حدود فينا. هذه الأحداث ظلت عالقة في الذهن الغربي إلى الوقت الحاضر، بل رسختها في أذهان الأجيال المتعاقبة.
في البدء كان الأدب
بدأ اهتمام روتر في الأدب العربي منذ سنوات دراسته الجامعية الأولى إذ كتب أطروحته للدكتوراه في عام 1967 تحت عنوان «وضع الزنوج في المجتمع العربي الإسلامي».
وقام غيرنوت روتر بترجمة وتأسيس مشروع «مكتبة الأعمال الكلاسيكية العربية» الذي قام باختيار أمَّهات الكتب الأدبية العربية وترجمها إلى اللغة الألمانية.
وحذر من هيمنة اللهجة العربية الدارجة على اللغة الفصحى، وأشاد بلغة القرآن الكريم التي اعتبرها متفوقة وذكية وإعجازية، وحذر من التمادي باستعمال العامية بدل الفصحى لأنها تهدد كيان هذه اللغة الجميلة.
الإسلام والغرب
يعتبر روتر من المستشرقين القلائل الذين غيروا منهج الاستشراق الألماني والغربي عامة. فقد ربط بين الفكر والسياسية، ولم يفصلهما، وقد أعابه الكثير من زملائه ابتعاده عن التفكير النظري وتعلقه بالراهن الحاضر، ولكنه كمثقف ملتزم سياسياً، لا يستطيع أن يقيم هذا الفصل. فقام بفضح هذه الصورة النمطية الغربية الخاصة بالشرق، وفنّد مزيفي حقائق العلوم الإسلامية التي أثبتت فضلها في تطوير حضارة الغرب ونهضته.
ولعل أهم ما يميز هذا المستشرق هو تأثيره على جيل جديد من الباحثين المختصين في العلوم الإسلامية، وتغيير نظرتهم إلى الإسلام. وقد جسّد ذلك في كتابه «انتحالات باسم الله»، الذي طالب فيه المستشرقين التفاعل مع الواقع والتعبير عن آرائهم الصريحة بصدد الصورة النمطية المكرسة.
وبحث روتر العلاقة بين الغرب والإسلام، انطلاقاً من الافتراضات التي يسوقها الغرب في وجود العدو الوهمي، هذه الأطروحة التي اعتمدها الغرب من زمن بعيد، فقد كانت في الماضي تتمثل في الشيوعية قبل انهيارها والإسلام لاحقاً كما تشهده الأحداث مثل ال11 من سبتمبر وتداعياته.
يطرح غيرنوت روتر موضوع صراع الحضارات، وما حظي به هذا الموضوع من جدل ونقاش ولغط، إنما يعود إلى الاستثمار السياسي لهذا الموضوع حيث يسعى في مقالته «الإسلام والغرب: الحوار المفقود» إلى تفنيد دعوى هانتنجون عبر التأكيد بأن «الأمر كان بسيطا جدا في العقود الماضية تحديدا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية وحتى انهيار الدول التي تبنت نظرية الخلاص الشيوعية- حيث كان الغرب الرأسمالي ينظر إلى الشرق الشيوعي والعكس صحيح- باعتبار الآخر شريرا، وذلك بفضل مركزية صورة العدو الوهمي».
ويذهب إلى حد التشكيك في الأدلة التي قدمتها إدارة بوش في أحداث الـ 11 من سبتمبر 2001، كم خلال الاستنتاج «بأن المترجمين الأميركيين الذين استمعوا إلى أشرطة الفيديو المسجلة، وقاموا بتفريغها على الورق، شاءوا أن يضيفوا أشياء كثيرة إلى النص، بل أنهم كتبوا ما كانوا يريدون سماعه. وهي أقوال لم تكن موجودة أساساً على الأشرطة، ولا يعني شيئاً عدد المرات التي استمعوا إلى تلك الأشرطة».
وأول ما تصدى له روتر هو ما ذهب إليه الكاتب الألماني الشعبي كارل ماي الذي صنع صورة متخيلة للشرق لدى أجيال متتالية من الألمان وحصرها في قالب جامد من بقايا النظرة الاستعمارية المتخلفة للعالم العربي والإسلامي.
وحسب روتر، فإن أعمال هذا الكاتب كانت إعلانا بائساً عن وهم التفوق الغربي الذي توّج بغزو نابليون لمصر عام 1797 باعتباره نصراً للتفوق الغربي المسيحي على الشرق دون مناقشة أسباب هذا الغزو.
وهكذا تأسست الصورة الأسطورية للإسلام بوصفه، كما يدعي الغرب آنذاك «دين السيف والنار»، وإلصاق القسوة والشيطانية بشخصية النبي محمد (ص) بهتاً وزواً من خلال ما أنتجته المخيلة الغربية المريضة ولا نقول كل المخيلة الغربية بل بعضها المغرض والمتعّصب. وبمرور الزمن، حاول هذا الغرب أن يكرس هذه الصورة النمطية، ذات القوالب الجاهزة، والتي سيطرت بدورها سواء في مناهج مدارسها أو في مؤسساتها الفكرية.
ولكن هذه الصورة النمطية لم تستمر طويلاً إذ سرعان ما حطمها نخبة من المستشرقين المنصفين الذين بحثوا في التراث العربي والإسلامي واكتشفوا كنوزه. وكان غيرنوت روتر واحداً من هؤلاء المستشرقين. وفي الحقيقة، وكما مرّ علينا في حلقات هذه السلسلة أن نفراً صغيراً من المستشرقين هو الذي تبنى هذه الصورة النمطية لأغراض مشبوهة.
آيات شيطانية وهنتغتون
هاجم غيرنوت روتر رموز مكرسي الصورة النمطية للإسلام أمثال سلمان رشدي، صاحب رواية «آيات شيطانية» السيئ الصيت، وصموئيل هنتغتون صاحب نظرية «صدام الحضارات».
وينتقد روتر قراء هذه الرواية والمتحمسين لها، ويؤكد بأنهم لم يقرأوا أي شيء عن الإسلام، وسبب تقبلهم الأفكار الواردة في الرواية والتسليم بها لأنهم يجهلون الإسلام ومعانيه العميقة. أما ما جاء به صموئيل هنتغتون، من وجهة نظر المستشرق روتر، أن نظريته ليست جديدة في الساحة الفكرية، فالصدام بين الغرب والإسلام حقيقة تاريخية قائمة، يجب النظر إليه انطلاقاً من أسس موضوعية وواقعية ودراسة أسباب ذلك الصراع.
وهو يرى أن هذا الصراع ليس أبدياً كما يكشف الواقع. ولا يعود تاريخ هذا الصراع إلى عام 1993 أي تاريخ صدور كتاب هنتغتون. فالجهل في نظر روتر هو الذي يشعل فتيل هذا الصراع. ولا يوجد أي صراع بين الديانتين المسيحية والإسلامية لأنهما ديانتان توحيديتان.
ويكشف المستشرق عن جهل الغرب بالإسلام وتياراته المختلفة، وما يصطرع في داخله من مشاكل وقضايا. ويجسد هذا الجهل في مناهج التعليم التاريخي في المدارس الألمانية المعاصرة كما يرى روتر.
وقد أسقط الغرب كثيراً من أوهامه على الإسلام، وصوره بالصورة التي يريدها لأجياله. وجعل روتر من مسألة الحجاب أحد الأسباب التي تخيف الغرب من الإسلام المعاصر، قائلاً : «إن القرون الوسطى المسيحية صورت الإسلام على أنه الوليد الشهواني للشيطان.. ويقدم لنا نصاً سافراً في وقاحته وجنايته على حقيقة الإسلام، هذا النص كُتب في نهاية القرن الحادي عشر من قبل رئيس كاتدرائية مدينة مانس في ألمانيا القس إيمبريخو الذي يتهم بها الإسلام بكل الموبقات»!
شاكر نوري


