إلى الجنوب الشرقي من إمارة دبي، وحيث تقترب حدود سلطنة عمان، تربض مدينة حتا أو ما تسمى «متنفس دبي الجبلي»، ويلقبها البعض بعروس الإمارة.. وفي ذات المكان تعلو مئات الأشجار المنيرة لأجواء المدينة خضرة وجمالاً، وتتزاحم السلاسل الجبلية والأودية والمنحدرات الطبيعية، وهو ما أحال المكان إلى لوحة فريدة لا يمل الزائر من التحديق بها من مختلف الزوايا.

إلى اليوم ومنذ عقود طويلة، تحافظ مدينة حتا على شيء من ماضيها الذي ارتكزت عليه، وقد اكتسبت أهمية اقتصادية حيث كانت الرابط التجاري بين دبي والسلطنة، مثلما انفردت بأهمية طبيعية وسياحية وعسكرية أيضاً، وذلك بحكم طبيعتها الجبلية والمناخية.. وفي هذه الأيام لا يزال السياح يتهافتون على تلك المدينة البديعة المستلقية في أحضان الجبال والتلال الصخرية.. البعض يتلوى بين جبالها ويستنشق هواء خضرتها، وكثيرون يتسمرون أمام طبيعتها الخلابة خلال فصل الشتاء تحديداً، حيث تهطل الأمطار بغزارة فتنساب الوديان وتنتعش السدود وتتكاثر الخضرة وهي تكسو وتعلو كل مكان.

ولمعرفة تفاصيل أوفى عن مدينة حتا التاريخية، توقفنا مع الشاعر أحمد بن خلف البدواوي، وهو أحد أبناء مدينة حتا المتشبثين بمتعة السكن والانتماء، الذي يقول: تميزت حتا ومنذ قديم الزمان بالخضرة والماء والجبال، مثلما امتاز أهلها بالوجه السمح، إنها المدينة التي فتحت ذراعيها لكل من أتاها زائراً أو مقيماً، وفي مثل هذه الأوقات من السنة كما في مختلف الأوقات الأخرى.

تتزاحم السيارات في نواحي حتا الكثيرة للظفر بمشهد الأمطار والوديان والطبيعة الخلابة، وهو ما يؤهل حتا لأن تحتل موقعاً عادلاً على خريطة السياحة الإماراتية، كيف لا وهي تحتضن قلاعاً وحصوناً أعمارها عقود طويلة، مثلما تتمسك بثالث أكبر سد للمياه.

وتميزت حتا ومنذ زمن بطبيعتها الخلابة، وقد احتضنت الكثير من مسميات الماضي التي لا تزال شامخة وشاهدة على عراقة من سكنها، فقبل عشرات السنوات توزعت بضع عائلات من أبناء قبيلة البدواوي في مناطق متقاربة من حتا، واليوم أصبح سكانها المنحدرون من قبيلة البدواوي فقط بضعة آلاف تناثروا بين أكثر من حي ومنطقة.. الجميع يحفظ للمكان علامات فارقة في ذاكرة الماضي وحاضر المعاش، لأنها المكان المسمى الذي راق للجميع وظل ساكناً في القلب العقل والوجدان، بحسب ما يؤكد الشاعر أحمد بن خلف.

زراعة وتجارة

ويوضح البدواوي أن مدينة حتا وحتى يومنا هذا تحتضن علامات جميلة وراسخة من الماضي، ففيها حصن فريد يقصده السياح من مختلف الجنسيات، مثلما يحرسها برجان عتيقان شمالي وجنوبي، وهو ما يعبر عن حياة أهل البدو «الأولين» في الحفاظ على أمنهم وأمن ممتلكاتهم.

وقديماً ظلت حتا تعد مركزاً مهماً لمرور التجارة بين سلطنة عمان وإمارة دبي، فهي أقرب موقع على عمان، وبالتالي كانت القوافل التجارية تشرق وتغرب من حتا، فيما ظلت تلك المنطقة تشتهر بالزراعة وتحديداً في زراعة النخيل والمانجو، وكانت المزارع الكثيرة مصدراً للمواد الغذائية،.

حيث يتم مبادلة الرطب والتمر والمانجو بمواد غذائية متنوعة تأتي من إمارة دبي، أما التجارة الخارجية التي امتاز بها أهل حتا منذ عقود، فظلت محصورة بشكل كبير في الغليون الذي كان ينتج في حتا ويسوق داخل الدولة وخارجها كما يقول البدواوي.

مدينة الحجرين

حتا التي عرفت منذ سنوات كثيرة مضت على أنها منطقة ريفية وجبلية تزخر بمقومات الجمال الطبيعي، ظلت عنواناً للترابط والتواصل بين ساكنيها من أبناء قبيلة وحيدة «البدواوي»، فعندما كانت أسباب العيش شحيحة ومقومات البقاء صعبة، ظل الشعور الجماعي عامل استمرارية وأمان يفخر به الجميع.

واليوم حيث دخلت ملامح الحياة العصرية كل ركن وموقع فيها، فلا تزال مقومات الترابط والتواصل ماثلة للعيان.. صحيح أن عدد السكان فيها جاوز بضعة آلاف، إلا أن الجميع لا يزال متمسكاً بملامح أصالة الماضي، حيث لا أحد في مدينة حتا لا يعرف جميع ساكنيها.

وبحسب ما يؤكد الشاعر الشاب أحمد بن خلف، فإن مدينته حتا عرفت في السابق باسم «الحجرين»، وهو اسم أطلق عليها نسبة للبرجين الشمالي والجنوبي فيها، اللذين لا يزالان شاهدين على ماضي وأصالة مكان لا يبهت في ذاكرة كل من أتاه.

وإضافة إلى ذلك فلا تزال مدينة حتا متمسكة بحصنها المنيع، وببيت الوالي التراثي، ناهيك عن «قرية حتا التراثية»، ولذلك فقد عرفت حتا بمدينة المعالم التراثية، وهي لا تزال متشبثة بماضيها ومتألقة بحاضرها وسط طبيعتها الساحرة من كافة زوايا الرؤية البشرية.

بهجة العودة

الجدير بالذكر أن غالبية سكان حتا يعملون في وظائف حكومية في المدن والمناطق البعيدة نسبياً، والأهم كما يؤكد أحمد البدواوي أن معظم الخارجين إلى الوظيفة يحسبون الوقت على أصابعم وهم يعدون ساعات العمل للعودة إلى مدينتهم الجميلة، التي لا يود أحد البقاء بعيداً عن أجوائها المثالية..

ومتى عادوا إليها حتماً سيجدون البهجة ترتسم على وجوههم وهو يستقبلونها بدوار حتا المتسع بخضرته وجماله المستوحى من الماضي، وعن شمالهم يزهو فندق حصن حتا الأبهى.. إنها القرية التي ترفِّه من فيها وتمتع كل من أتاها ماراً أو زائراً، ليس بأبراجها وسحابها الممطر، وإنما بسلاستها المستلقية في حضن الطبيعة، وللعلم فإنه لا توجد في شوارع حتا سوى إشارة مرور وحيدة، وهي إلى الآن لا تعمل، والسبب ببساطة أنها في قرية البساطة.

تحتضن احد اهم السدود العربية

مدينة حتا الزاخرة بمسمياتها الفريدة، تحتضن اليوم واحدا من أكبر وأهم السدود في الوطن العربي والشرق الأوسط بعد السد العالي في مصر، وسد مأرب في اليمن وسدود أخرى، وسد حتا تم إنشاؤه على نفقة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، كما يوضح أحمد البدواوي.

ويضيف أن اهتمام صاحب السمو حاكم دبي بمدينة حتا فاق في التوقعات الكثير مما يجول في الخاطر، وحديثاً عندما شحت الأمطار والمياه الجوفية فيها تم تزويدها بمياه أرسلت عبر أنبوب عملاق مزود بمضخات قوية ويصل من جبل علي إلى حتا..

ولكونها المتنفس الجبلي لمدينة دبي، فقد حظيت مدينة حتا باهتمام الشيوخ دائماً، وإلى اليوم لا تزال عائلات كثيرة من حتا إلى رأس الخيمة تسكن في بيوت عرفت باسم المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، طيب الله ثراه، واليوم تزهو مدينة حتا كونها مركزاً للمناطق المجاورة بمرافق كثيرة، منها مستشفى وأربع مدارس وجمعيات خيرية، ومركزان للدفاع المدني وللشرطة وآخر لذوي الاحتياجات الخاصة، وغيرها الكثير.. كل ذلك كما يرى البدواوي جعل من حتا مسمى جميلاً لا يختلف عليه اثنان.

دبي ـ عنان كتانة