احتدمت الآراء وتضاربت الأفكار حول انتماء المفكر المصري الراحل فؤاد زكريا إلى الماركسية أم إلى الليبرالية أم كونه مفكراً أو فيلسوفاً، وذلك في الندوة التخصصية التي أقامتها أول من أمس مؤسسة سلطان بن علي العويس الثقافية طيلة يومين. وتندرج هذه الندوة ضمن تظاهرة تكريم الفائزين بجوائز العويس وإعادة نشر مؤلفاتهم.
قدم الجلسة الأولى عبدالإله عبدالقادر باستعراض موضوع الجلسات، حيث بدأ محمد مؤنس عوض (مصر)، بتقديم ورقته «سيرة فؤاد زكريا» التي أشار فيها إلى صعوبة تتبع سيرة المفكر الراحل لأنه لم يكتب سيرته الذاتية في كتاب منفصل، لذا كان لا بد من تتبعها من خلال شذرات مبثوثة في مؤلفاته. وأكد أن سيرته الذاتية ارتبطت بكل الأحداث الكبيرة في مصر مثل: نكبة 1948 و1956 و1973 و1991 وغيرها. إلا أن المحاضر انتقد المفكر الراحل شطبه لمرحلة مهمة من تاريخ مصر وهي الفترة الناصرية، وطالب بعدم التسليم بكل آرائه.
عبدالله الجسمي (الكويت) قدم الورقة الثانية حول «فؤاد زكريا الفيلسوف»، حيث تربطه بالمفكر الراحل علاقة الأستاذ بالطالب. وهو الذي نصحه بدراسة فلسفة الجمال والفن.
وهنا فجّر الجسمي فكرة إطلاق لقب الفيلسوف على الراحل فؤاد زكريا بدلاً من المفكر وهذا ما أثار نقاشات حامية وخلافية حول الاختلاف بين اللقبين. وأشار الباحث إلى أن فؤاد زكريا لم يكن ماركسياً ولا ليبرالياً ولا ينتمي إلى أي تيار فلسفي معين بل شق طريقه الخاص في الفلسفة. لكنه آمن بالتعددية بدلاً من الواحدية، ورفض جميع الايديولوجيات وركز على التفكير العلمي.
وهذا ما أعطاه فرادة خاصة، فهو على عكس عبدالرحمن بدوي الذي كان وجودي الانتماء والتفكير. ولم يهمل المفكر الراحل كل الجانب الإنساني في الفلسفة الذي شكل هاجساً مهماً في تفكيره. فهو رجل موسوعي، يعتمد على المنهج التحليلي، بعيداً عن الأهواء والأيديولوجيات، كما لا يستجيب إلى عواطف الجمهور، ويرفض المنطق المجرد أو الذهني.
الاشتباك مع قضايا العصر
و أدار الجلسة الثانية الدكتور صالح هويدي، حيث بدأ المحاضر بورقة عن مفهوم التاريخ في فكر فؤاد زكريا، قدمها خالد السعدون (العراق) الذي جزم أن المفكر الراحل كان يستهدي بالنظرية الماركسية التي أضاءت كل أبحاثه.
وهذا ما أدى إلى إخضاع الواقع إلى النظرية مما ولد تجريد الإنسان عن إنسانية في هذا الفكر. المحاضر الثاني هو فؤاد شهاب (البحرين) الذي تحدث في ورقته «فؤاد زكريا والأزمات العربية»، وركز على أزمة غزو العراق للكويت، وأدان المثقفين الذي وقفوا مع هذا الغزو. وأشار إلى مقالات فؤاد زكريا في هذا الصدد مثل «فضيحة المثقفين العرب» و«لعبة العراق الخطرة» و«نظام هرب أم لا نظام» و«مرثية التنوير» وغيرها.
وقدم عبدالمعطي سويد (سوريا) الورقة الثالثة التي ركزت على «حوار فؤاد زكريا والإسلاميين» الذي مهّد له بمقدمة تاريخية مستفيضة عن علاقة العقل العربي بالحوار، وأطلق مصطلح «ثقافة النص»، حيث اصطدم الإسلاميون بها في محاورتهم لفؤاد زكريا. وفرّق الباحث بين النص الإلهي المقدس «القرآن الكريم» وبين ثقافة النص، مشيراً إلى أن المجتمعات الحالية تعيش حالة التطرف.
خلافات فكرية أثرت الجلستين
وأثارت الجلستان الكثير من ردود الأفعال لدى الباحثين والجمهور، حيث أكد المفكر محمد جمال باروت أن كتابة السيرة الذاتية ينبغي أن تعتمد على العصر الذي عاش فيه فؤاد زكريا وهو مليء بالتناقضات والتفاعلات، وخاصة في فترة الأربعينات من القرن المنصرم. وأشار خالد السعدون إلى أن فؤاد زكريا كان يدين بالمذهب الماركسي.
وقال مجدي عبدالحافظ إلى أن ما يُخذ على فؤاد زكريا أنه كان ينظر إلى الحداثة كمشروع متكامل، ولذلك انتقد المرحلة الناصرية. فيما أشار صالح هويدي إلى أن أهمية المفكر فؤاد زكريا تكمن في أنه أنزل الفلسفة من أبراجها النخبوية إلى الأرض فيما ظل عبدالرحمن بدوي منشغلاً بالهموم الفلسفية المجردة. وأكد عبدالرزاق المضرب على المنهج النقدي الذي اتبعه فؤاد زكريا.
وحذر محمد مؤنس عوض من عدم الوقوع في «كاريزما» فؤاد زكريا والتسليم بكل آرائه دون تمحيص. فيما أكد عبدالله محمد الجسمي أن كلمة فيلسوف لا تعني بالضرورة الإتيان بنظرية فلسفية.
وطرحت الندوة تساؤلات عديدة، منها: لماذا نعتبر الأسلاف مقدسين؟، وهل السلف أفضل منا؟ وإذا كان كذلك لماذا نستمر في الحياة؟ وهل نحن بحاجة إلى أزمات أخرى حتى نستوعب الدرس؟
وهل يمكن أن نضع الإسلاميين بكل تياراتهم وتوجهاتهم في سلة واحدة؟ حاول الباحثون المشاركون أن يعطوا إجابات وافية عن كل هذه التساؤلات ولكنها ظلت متباينة ومتناقضة، ومن هنا يأتي أهمية هذه الندوة التي تميّزت بالتعددية الثرية والرؤية المرنة والأفق المفتوح في معالجة قضايانا الفلسفية.
دبي -ـ شاكر نوري
