عندما أقرأ لغارثيا ماركيز، الكاتب الكولومبي الشهير، بعضاً من قصصه ورواياته الشيقة، والتي أستعين بها على مللي ورتابة أيامي أحياناً، وخوفي على ضمور مخيلتي، والتي لا أرى ضمانة لصيانتها إلا في الرواية والشعر.
أكرر السؤال الذي طرحته على نفسي ربما عشرات المرات: ما الذي في هذه القصص والروايات يجعل القارئ لا يتركها حال بدأ بها، أو يؤجلها ويضعها جانباً لوقت آخر، بل يشعر أن إصراراً جارفاً اجتاحه على إتمامها والوصول إلى نهايتها؟
كثيرون من نقاده وعشاق فنه - خصوصاً في هذا الجنس الأدبي، القصة والرواية التي تشدك إلى عدم تركها والاستمرار فيها حتى النهاية- يرون الواقعية السحرية كما يسمونها، لكنني في الحقيقة لست مقتنعا بها (الواقعية السحرية) والتي يُقصد بها مزج الواقع بالخيال، وهي السمة الغالبة التي تميز أدب أميركا اللاتينية عن غيره في القارات الأخرى، لما في تلك البلاد من أعراق واثنيات وعقائد وأساطير وأنماط حياة مختلفة لا يشبهها أو يقترب منها في ذلك سوى الشرق. وفي اعتقادي أن وراء سر التشويق والإقبال على أي عمل يطلقه ويدفع به إلى ماركيز إلى الأسواق..
فيما لو تجاوز المرء اللغة التي يكتب بها غارثيا ماركيز (وهي الإسبانية) وكذلك الأسلوب الذي يعتمده ويطوره باستمرار، والذي يعتبر العامل الفني الأهم في أي عمل أدبي، لو تجاوزنا هذين العاملين، لما بقي في عمل (ماركيز أو غيره من الكتاب) سوى الحدث والفكرة التي يريد من قارئه الحصيف التوصل معه إليها.
بتقديري الشخصي أن عاملي التهكم والحكمة في أعمال ماركيز القصصية والروائية هما اللذان يقفان وراء السر الآسر، ويشكلان الكريستالة التي يخدش بها جدية الواقع الصارم من حولنا، وليكشف من جانب آخر، سريالية هذا الواقع المضحكة وعدم منطقية ما تجري فيه من أمور وأحداث تشكل مصائرنا كأفراد وشعوب.
إنه ممن يعرفون لمن يكتب، وأي فكر يريد مشاركة القارئ فيه ليتعاطف معه أو يتبناه، أو في الأقل يجعله يتبصر في أحواله وأحوال غيره.
ناصر محمد ـ الإمارات