«إن أهم ما يميز منتجنا، هو خدمة ما بعد البيع، فالضمان الذي نقدمه لك، سيجعلك مستريح البال، وسيحقق لك أعلى درجات الرضا... إن منتجنا ليس فقط الأفضل على الإطلاق، فبالإضافة إلى ذلك، هناك الضمان الدولي، الذي يكفل لك الحصول على نسخة جديدة من المنتج، في حال كانت عملية إصلاح ما قد يعتريه من عطل، تتطلب زمناً يزيد عن ثلاثة أيام...

عندما تشتري من موزعينا المعتمدين، ستحصل على بطاقة الضمان الدولي، التي توفر لك الإصلاح المجاني للأعطال، وقطع الغيار الأصلية، وكذلك إمكانية إعادة البيع بأسعار عادلة»..العبارات السابقة تمثل نماذج لعدد من العبارات البراقة، التي تلجأ إليها بعض المؤسسات التجارية، من أجل جذب المستهلكين، ومن ثم إقناعهم بالشراء، والمؤسف حقاً أنها ؟وكما يؤكد عدد كبير من المستهلكين- مجرد عبارات جوفاء، ولا مكان لها على أرض الواقع.فماذا يفعل المستهلك حينما يكتشف أنه اشترى الوهم وضاعت نقوده بعدما تعطلت السلعة التي اشتراها، فطلب الضمان المنصوص عليه في فاتورة الشراء، ولم يجد إلا التجاهل؟وما هي الحقوق القانونية التي يستطيع المستهلك المطالبة بها في مثل هذه الحالات؟وإلى من يلجأ في حال لم يجد استجابة من الوكيل أو الموزع كي يحصل على حقوقه؟

خلل في العلاقة

هذه الأسئلة وغيرها هي محور التحقيق التالي، الذي يبدأ مع عينة عشوائية من المستهلكين، الذين أجمعوا على وجود خلل ما في العلاقة بين المستهلك والتاجر، وكشفوا عن مرور معظمهم بتجارب شخصية سلبية عندما طالبوا بالحصول على حقهم في الضمان.

ويروي عبد الله العدوي «موظف حكومي» قصة مر بها شخصياً عندما اشترى هاتفاً محمولاً ذكياً قبل نحو عام، بسعر يزيد قليلاً على ثلاثة آلاف درهم، وبعد شهر تعطلت شاشة الهاتف التي كانت تعمل باللمس، مما دفعه إلى التوجه إلى مركز الصيانة.

ويقول: عوملت بتجاهل كبير من الموظفين، ولكني كظمت الغضب، وطلبت الحصول على حقوقي المنصوص عليها في فاتورة الشراء، وبالفعل تم تسجيل الرقم التسلسلي للهاتف، ثم قيل لي بأن قسم خدمة العملاء سيتصل بي في غضون يومين.

وبعد نحو أسبوع، ولما لم أتلق أي اتصال، راجعت مركز الصيانة مجدداً، فقيل لي إن الفحص لم ينته بعد، وسيتم إخباري بالأمر بعد يوم واحد، فرضخت للأمر، حتى تلقيت اتصالاً بعد أربعة أيام، وكانت المفاجأة غير السارة، أن جاء كلام مسؤول الصيانة، مجافياً للحقيقة، حيث أبلغوني بأن عطل هاتفي ليس مشمولاً بالضمان، لأنه ناجم عن سوء الاستخدام...

فطلبت المزيد من الإيضاح، فأخبروني بأن هاتفي قد سقط في الماء، وهو أمر لا يمت للواقع بصلة. ويضيف: انفجرت غاضباً رافضاً هذا الكذب، فرد عليّ الموظف ببرود: ليس الأمر بيدي فهكذا نص التقرير الفني لفريقنا التقني الكفء!

التمسك بالحق

ويسرد سيف الزعابي «موظف حكومي» قصة مشابهة مع الهواتف المحمولة أيضاً، حيث تعرض لما يصفه بعملية نصب من أحد تجار الهواتف المحمولة، وتتمثل تفاصيلها في أنه اشترى هاتفاً مشمولاً بضمان المحل وليس الوكيل، وفي نفس يوم الشراء أصيب الهاتف بعطل في سماعته فلم يعد قادراً على سماع صوت المتصل...

فتوجه به إلى المتجر لإصلاح هذا الخلل البسيط، وعندما عاد بعد يومين لاستلام الهاتف، فوجئ بالتاجر يزعم بأن الهاتف لم يعد صالحاً، متذرعا بحجج غير منطقية، منها أن ضمان المحل لا يغطي كل الأعطال.

ويقول: طلبت استعادة الهاتف، فدس البائع يده في خزانة خشبية خلفه، وأعطاني هاتفاً أيقنت للوهلة الأولى أنه ليس هاتفي، فقد استبدل الهاتف الجديد بنسخة مستعملة ومليئة بالخدوش، فلم أبد له رد فعل، وتوجهت على الفور لمركز الشرطة لفتح محضر متهماً البائع بالغش والنصب.

وقد تفاعل مسؤولو الشرطة إيجابياً مع حالتي، وأكدوا لي أنهم يستقبلون يومياً الكثير من الشكاوى المماثلة، وسيقومون باستدعاء البائع للتحقيق، وفي حال لم يعد لي حقوقي سيتم تحويل شكواي إلى المحكمة، وهو الأمر الذي أسعدني ليس لرغبتي في استعادة نقودي، وإنما لكي ينال ذاك الغشاش ما يستحق من عقاب.

وما هي إلا أيام حتى كان البائع يتصل بي، ليتفاوض على إعادة نصف قيمة الهاتف، فرفضت بصلابة مؤكداً أني لن أقبل إلا بحقي كاملاً، ثم أعاد الاتصال بعد فترة قصيرة ليرجوني أسحب الدعوى القضائية، مقابل الحصول على ما سددته كاملاً، فوافقت على أن يكون تسليم المبلغ في مركز الشرطة... وهكذا أسفر تشبثي بحقوقي وإصراري عليها، عن حصولي عليها غير منقوصة.

الإصلاح بنصف السعر

أما معاذ محمد «مندوب علاقات عامة» فقد ابتاع جهازاً موسيقياً من واحد من أكبر الوكلاء في الإمارات، وبعد أربعة أشهر حدث أن تعطل زر تشغيل الطاقة، فتوجه إلى مركز الصيانة...

وهناك أبلغوه بأن إصلاح العطل سيكلف 600 درهم، أي ما يعادل نصف سعر الجهاز جديداً، فتساءل عن الضمان، فقيل له إن العطل ناجم عن سوء استخدام، لأن أحدهم قد ضغط الزر بقوة زائدة، مما أدى إلى حدوث كسر في المكونات الداخلية.

ويقول: لم يكن بوسعي إلا أن أتفاوض على تقليل السعر، حتى لا أخسر ما سددته ثمناً للجهاز، وبعد مفاوضات شاقة تقرر إسقاط 50 درهماً فقط من المبلغ، فسددت مرغماً رغم إيماني الراسخ بأني ضحية عملية غش منهجية منظمة.

ويقول عتيق المهيري «موظف في إحدى شركات النفط»: إن كثيراً من الوكلاء يتنصلون من مسؤولياتهم تجاه الأعطال التي قد تطرأ على السلع، وتبدو هذه المشكلة أكثر وضوحاً في السلع الإلكترونية، حيث يسهل الاستناد على تقرير فني يحرره الوكيل نفسه، لتحميل العميل مسؤولية العطل، وهي مسألة غريبة وغير عادلة، لأنه لا يمكن أن يتحول الوكيل إلى خصم وحكم في ذات الوقت.

كما تبدو المشكلة أحياناً في الضمان الخاص بالسيارات، ولكن بطرق أخرى... فبدلاً من تحميل المستهلك مسؤولية العطل الفني، يحدث في بعض الحالات ألا تتمكن ورش الصيانة من معالجة العطل، أو أن تعالجه جزئياً، ومع ذلك تعيد السيارة للعميل، بعدما تزعم بأنها احتوت المشكلة.

ويطالب عتيق بوجود لجان فنية متخصصة، تستعين بها وزارة الاقتصاد للبت في شكاوى العملاء من سوء خدمات الضمان، بحيث تضم هذه اللجان متخصصين في كل المجالات، وبحيث تعد تقارير مستقلة حول أسباب العطل، على أن تكون كلمة الفصل لهذه التقارير ملزمة لكافة أطراف العلاقة.

مسؤولية الوكالات

بعد هذه الانتقادات... ترى ماذا يقول الوكلاء... وكيف يدافعون عن أنفسهم؟

يقول فيروز أبو بكر مدير عام بإحدى أكبر وكالات الإلكترونيات في الدولة: في البداية يجب أن نعترف بأن من يرغب في التحايل قد يجد أمامه العديد من السبل والطرق، وأن شكاوى بعض المستهلكين من تهرب بعض الوكالات من مسؤولياتهم لا تفتقر إلى الصدق، ولكن لا يمكن بأي حال من الأحوال تعميم الأمر، والذهاب إلى أن كل الوكلاء يتلاعبون.

ويضيف: من جهة أخرى، إنه من أصعب ما يكون في عالم اليوم أن يتلاعب وكيل معتمد بمستهلك، ذلك لأن المستهلك لن يعدم الطرق التي تمكنه من استرجاع حقوقه، ومنها بطبيعة الحال الشكوى للجهات المعنية في الدولة.

أو حتى إرسال رسالة إلى منتج السلعة لإخباره بتلاعب الوكيل، وما لا يعرفه الكثيرون، أن المصانع والأسماء التجارية الكبرى، لا تتعامل مع شكوى أصغر عميل باستخفاف، وسرعان ما تحولها إلى وكيلها المعتمد مع مطالبته بسرعة معالجتها.

وماذا لو تجاهل هذا المطلب؟

يجيب قائلاً: في هذه الحالة فإن المنتج يتخذ إجراءين في آن واحد، حيث يقوم بإرسال نسخة جديدة من المنتج إلى المستهلك، ثم يقوم بسحب الوكالة من الموزع المعتمد حرصاً على سمعة منتجه، وانطلاقاً من الاهتمام بعدم إشاعة سمعة سيئة عن خدماته.

ويقول: هناك حالات كثيرة ومعروفة للعاملين في مجال الإلكترونيات، وقد حدث خلالها أن تم سحب الوكالة لأسباب تتعلق بعدم الاهتمام بخدمات ما بعد البيع، ووجود عدة شكاوى من المستهلكين.

مشيراً إلى أنه ليس من مصلحة الوكيل أن يخسر اسماً تجارياً مهماً، وليس من مصلحته أيضا المثول أمام الجهات المعنية برقابة الأسواق في الدولة، للتحقيق في شكوى عميل، لأن هذا الأمر سيمثل نقطة سوداء في سمعته وفي مدى الثقة فيه.

ويختتم قائلاً: إن معظم الحالات التي تتعرض لمشكلات مع الصيانة، هي لأشخاص ابتاعوا منتجات إما من موزعين غير معتمدين، أو من دون ضمان على الإطلاق، وهناك من يسعى وراء السعر الأقل من غير تفكير في خدمة ما بعد البيع التي تعد من أهم ما يضمن له راحة البال.

خدمات

مستهلكو الإمارات فرائس سهلة للتجار

على الرغم من أن القوانين التي تنظم العلاقة بين المستهلك والتاجر، تنحاز إلى جانب المستهلك استناداً على أنه يشكل الحلقة الأضعف، وذلك من دون أن تجور على التاجر، بما يحقق التوازن بين الطرفين، إلا أن المستهلكين في الإمارات يشكلون فرائس يستسيغها التجار من دون أي رادع، ؟حسب تعبير المهندس صالح الحارثي «مدير شركة خاصة» - مما يكشف عن وجود خلل ما ينبغي العمل على مواجهته.

ويقول: من واقع تجربة العيش في عدد من البلدان الغربية لفترات طويلة، أستطيع أن أجزم بأن المستهلك هناك يحظى بأعلى درجات الحماية، فهناك سياسة إمكانية إعادة السلع الإلكترونية خلال شهر في حال لم ترضه، كما يستطيع المستهلك استعادة فرق السعر في حال تم عمل تخفيضات على السلعة من قبل الموزع الرئيسي أو الوكيل، وذلك خلال ثلاثة أشهر من تاريخ الشراء.

كما تنص قوانين بعض الدول على تطبيق ما يسمى بسياسة مراقبة الأسعار والتي تقضي بحق المستهلك في استرداد فرق السعر، في حال أثبت أن أحد المتاجر يبيع نفس السلعة بسعر أقل.

إنسانية

يقول الدكتور هاشم النعيمي، مدير إدارة حماية المستهلك في وزارة الاقتصاد: إن القوانين التي تنظم العلاقة بين المستهلك والتاجر، تنحاز إلى جانب المستهلك استناداً إلى أنه يشكل الحلقة الأضعف، وذلك من دون أن تجور على التاجر، بما يحقق التوازن بين الطرفين.

وفيما يتعلق بمشكلات الصيانة والضمان وخدمات ما بعد البيع، فإن الوزارة تحقق في كل شكوى على حدة، وكثيراً ما تتخذ القرارات التي تنصف المستهلك، وتعيد له حقوقه المنصوص عليها في فاتورة الشراء، التي تعتبر عقداً ملزماً للطرفين.

ويضيف: إن اللائحة التنفيذية لقانون حماية المستهلك تنص على ضرورة توفير خدمات ما بعد البيع، وهناك عقوبات قد تصل إلى إغلاق المنشأة، وإحالة الشكاوى إلى المحكمة المختصة للبت فيها، وفي حال طلبت الوزارة من تاجر أو وكيل الوفاء بالتزامه الخاصة بالصيانة وامتنع عن الأمر.

يستطيع المستهلك توجيه دعوى قضائية ضده، وإذا تذرع التاجر بأن الضرر الذي لحق بالسلعة ينجم عن سوء استخدام، وليس مشمولاً بالصيانة، فإن المحكمة تمتلك سلطة اللجوء إلى خبير محايد للبت في الأمر.

وإذا ما قرر هذا الخبير عدم صحة مزاعم التاجر، فإن المستهلك قد يستعيد كامل أمواله، أو يحصل على سلعة جديدة، وبوسعه أيضاً المطالبة بتعويض عن الضرر، مما يؤكد أن القانون في الإمارات لم يترك الأمور على علاتها، وتبقى مسؤولية المستهلك إزاء نفسه، هي حجر الزاوية فيما بعد.

أبوظبي- محمد مصطفى موسى