تنوعت المخدرات التي تهدد مستقبل الشباب في بقع مختلفة من العالم، ويزداد أثرها وحشية في المجتمعات التي لا تهتم بوضع الضوابط أو العقوبات المناسبة للمتاجرين فيها أو المتعاطين، بينما لا تزال الظاهرة غير ذات أثر خطير على شباب الإمارات لعدة أسباب أهمها التمسك بالتقاليد وعدم الانقياد وراء التقليد الأعمى.

ومع ذلك تبذل الأجهزة الرسمية قصارى جهدها للحؤول دون وقوع الشباب في هذه المصيدة الخطيرة لما لها من أثر لا يتوقف فقط عند تحقيق الأذى للمتعاطي، ولكن يمتد أيضاً للتأثير على الأسرة والمجتمع.وحذرت الأجهزة المختصة مؤخراً من تطور أجيال المخدرات وصولاً إلى «السلائف» التي يتم تصنيعها باستخدام مواد خام مستوردة من الخارج ثم استخدامها في هذه الصناعة المدمرة، ولكن كان وعي الشباب بهذه الحيلة على درجة مطمئنة.يقول محمد الجابري «طالب بالمرحلة الثانوية» إنه كطالب جامعي يحمد الله على تمتعه بحد كبير من الثقافة العامة التي تمنعه من الوقوع في براثن مثل هذه الأنواع المستحدثة من المخدرات خاصة إذا كانت فئة الشباب هي الفئة المستهدفة منها.ويضيف أن أجهزة الشرطة والجهات المعنية تبذل قصارى جهدها لمنع وصول هذه السموم إلى الشباب، ولكن هناك أدوار أخرى لابد أن نستفيد منها أهمها دور الإعلام الذي كشف لنا عن ماهية هذه الأنواع الجديدة من المخدرات التي يمكن تصنيعها باستخدام مواد كيميائية مسموح بها.

ويؤكد الجابري أن المحاولات المتكررة من جانب مصنعي أو منتجي أو مروجي المخدرات التقليدية من كل أنحاء العالم فشلت في اختراق مجتمع الإمارات لما يتحلى به من سمات تختلف عن المجتمعات الأخرى التي انتشرت بها هذه المخدرات انتشار النار في الهشيم.

وأهم هذه السمات التي يتحلى بها شباب مجتمعنا هي التمسك بالقواعد الدينية في المعاملات اليومية ومراقبة الله في السر والعلن، ولعل من أهم المظاهر التي يتمتع بها مجتمعنا أيضاً ميزة التواصل بين الأجيال بحيث يستفيد الشاب من تجربة الأب، وفي قصة المخدرات على وجه التحديد لابد من وضع تجارب الغير موضع التأمل والثقة والتنفيذ لأن هذه اللعبة في منتهى الخطورة وتتسبب في تدمير العائلة بأكملها.

ويضيف الجابري أن الرابح في لعبة المخدرات هو من لا يلعب أبداً، ذلك لأن قواعد هذه اللعبة هي الخسارة إلى الأبد، وإذا كانت الحرب القادمة ستكون حرباً على المخدرات التخليقية كما أطلقت عليها أجهزة المكافحة فأتصور أن جيل الشباب بأكمله يؤيد المسؤولين في هذه الحرب حرصاً على المجتمع وأعضائه من الإصابة بهذه الآفة اللعينة.

أدوية عشوائية

أما محمد الأغبري «طالب بجامعة دبي» فيرى أن تعدد الصور التي تتواجد عليها المواد المخدرة لا يعني أن ينخدع بها الناس، فهناك مختصون بمتابعة الأدوية والعقاقير الطبية، ومن الطيش أن يستخدم أحدنا الدواء من تلقاء نفسه ومن دون مراجعة الطبيب.

حيث أن إدمان هذه الأنواع يبدأ بذلك الخطأ الفظيع، ثم لا يتوقف الخطأ فيما بعد لأسباب ترتبط بإدمان الشخص لنوع محدد من الأدوية نتيجة عدم اتباعه لشروط الاستخدام الآمن والتي لا يدركها إلا الطبيب والصيدلي.

يضيف الأغبري أن النصيحة التي يعمل بها دائماً منذ صغره، ويتوجه بها إلى الأصدقاء والزملاء هي الامتناع تماماً عن تناول أي دواء أو عقار مجهول المصدر والتأثير، خاصة إذا كان من شخص لا يعرفه، وإذا كانت جهات نشر السموم بين الشباب تبتكر الطرق الحديثة للوصول إلى ضحاياها.

فأتصور أننا في مجتمع واع بما فيه الكفاية بحيث لن تفلح حيلهم في الوصول إلى متعاطين، وإذا كانوا على درجة كبيرة من الابتكار في الأنواع فيعني ذلك ضرورة أن نكون نحن على درجة أعلى من الحذر لإفشال مخططاتهم.

محاولات فاشلة

ويرى مصطفى آل عبيد «طالب بجامعة دبي» أن اختراع أنواع جديدة من المخدرات يتم تصنيعه محلياً ظهر منذ فترة في بعض الدول الأوروبية، ولكن لن تفلح جهود مروجي هذه الأنواع في أن تجعل من مجتمعنا سوقاً له لعدة أسباب أهمها ارتفاع نسبة الوعي بهذه المخدرات التي يمكن توافرها على هيئة أدوية أو عقاقير تستخدم في علاج أمرض محددة وأيضاً بسبب التزام مستخدمي الأدوية باستشارة المختصين.

علاوة على مراقبة الآباء لأبنائهم باستمرار مما يمنع هذه الجهات من تحقيق أهدافها، كذلك لا تألو الأجهزة الرقابية في الدولة جهداً لمحاربة هذه «السلائف» الشيطانية حرصاً على صحة الشباب باعتبارهم عماد هذه الأمة.. كل هذه الأسباب تكفي لفشل انتشار كل أنواع المخدرات في مجتمعنا، سواء أكانت تقليدية أو تخليقية.

ويضيف آل عبيد: ربما يستغل أصحاب النفوس المريضة مناخ التجارة الحرة وحالة الانفتاح الاقتصادي لمحاولة توفير المواد الخام لهذه المخدرات في أسواق الدولة لتصنيعها محلياً، ولكن أتصور أن هذه الخطط سوف تبوء بالفشل الذريع لأن أسواقنا ليست مجالاً لتجربة أنواع المخدرات الجديدة، كما أن أجهزة الأمن تتمتع باليقظة التي تجعلنا في اطمئنان تام.

ويقول آل عبيد إن محاولات المهربين والتجار والمصنعين للمواد المخدرة لن تتوقف، ونجاح الجهود الأمنية في ضبط كميات كبيرة من المخدرات في أبوظبي تشير إلى وجود الرقابة اللازمة على المنافذ لمنع وصول هذه السموم إلى الأسواق المحلية.

وتؤكد وقوف الشباب جنباً إلى جنب مع هذه الأجهزة لوقف هذه التجارة الخطيرة من التسرب إلى البلاد، مؤكداً على نجاح الإعلام في القيام بدوره في توعية الشباب وحثهم على عدم الانسياق وراء أوهام مروجي هذه التجارة، وخاصة أنها تتخذ أشكالاً متنوعة ومتخفية أملاً في خداع العملاء المحتملين لها.

ويشير مصطفى آل عبيد إلى أن صرف الأدوية من الصيدلية بمقتضى الوصفة الطبية يعتبر إجراء كافياً لمنع فوضى استخدام الأدوية المؤثرة على الحالة النفسية أو العصبية والتي تؤدي حال استخدامها في غير ما خصصت له إلى أضرار جسيمة، ولكن يجب علينا استشارة الطبيب قبل استخدام الدواء، مع ضرورة إبلاغ الجهات المعنية في حالة الشك في منتج معين يباع خارج الإطار الرسمي وهي الصيدلية.

إجراءات دولية لمكافحة المخدرات

قال المقدم إبراهيم الدبل، مدير إدارة «التوعية الأمنية» في شرطة دبي، عضو الهيئة الاستشارية الدولية لمراقبة المخدرات، إن الحرب المقبلة للمخدرات ستكون حرب المخدرات التخليقية، أي المصنعة، مشيراً إلى أن دولة الإمارات كانت من أولى الدول في العالم، وثاني دولة عربية تنضم لاتفاقية الأمم المتحدة في مجال الرقابة على السلائف الكيميائية (أي العناصر المستخدمة في تصنيع المخدرات) عام 1990.

وأكد المقدم إبراهيم الدبل أن الأمم المتحدة تقوم بعددٍ من التدابير لمنع التصنيع غير المشروع للسلائف المستخدمة في صنع المخدرات والمؤثرات العقلية بصورة غير مشروعة، ومنع استيراد تلك السلائف وتصديرها والاتجار فيها.

وذلك عبر وضع التشريعات ونظم المراقبة الوطنية، وتبادل المعلومات بين الدول المصدرة والمستوردة، والتعرف إلى الاحتياجات السنوية المشروعة من المواد التي يمكن استخدامها في صنع المنشطات الأمفيتامينية.

وأشار إلى أن الأمم المتحدة تعتمد أربعة برامج فرعية لمكافحة الاستخدام غير المشروع للمخدرات، وهي تنسيق وتعزيز الرقابة على المخدرات، ورصد الرقابة الدولية، وخفض الطلب والمعروض من المخدرات. وتقوم الأجهزة الأمنية بدور كبير في حماية المجتمع من هذه المواد وغيرها من المواد المؤثرة سلباً على الشباب.

دراسة استطلاعية

المقدم إبراهيم الدبل مدير إدارة «التوعية الأمنية» في شرطة دبي، عضو الهيئة الاستشارية الدولية لمراقبة المخدرات، وهو أيضاً صيدلاني، أعد دراسة استطلاعية حول سُبل مكافحة تسريب السلائف، مؤكداً أنها أظهرت أن هناك تسع دول.

من بين 12 دولة عربية، لديها نظام خاص للرقابة على السلائف الكيميائية، وأن جهاز مكافحة المخدرات هو المشرف على مراقبة هذه المواد في أربع دول، في حين تُعنى البيئة بالرقابة على السلائف في دول عربية أخرى.

وأضاف أن الدراسة أظهرت أن ست دول عربية هي الإمارات، واليمن، والسعودية، ومصر، والأردن، وسلطنة عُمان لديها جدول لمراقبة المواد الكيميائية، وأن دولة الإمارات ضبطت عام 1997 مصنعاً سرياً لصنع المخدرات، وكان يصنع «الماندركس»، وأن ثلاث دول عربية سجلت ضبطيات متعلقة بالسلائف ومنها اليمن والإمارات.

وانتهت الدراسة إلى ضرورة إحكام السيطرة والرقابة على المواد الأساسية التي تصنع منها المخدرات، وذلك لن يتحقق إلا من خلال التعاون الدولي وتبادل الخبرات وإيجاد التشريعات اللازمة لمنع هذا التصنيع.

أيمن حجازي