بدأت حضارة «الإنكا» في العام 1100 م.. ودامت حتى الغزو الأسباني لأميركا اللاتينية سنة 1532 م. وشملت أرض «الإنكا» كلا من بوليفيا والبيرو والإكوادور وجزءاً من تشيلي والأرجنتين.

وقد أذهلت حضارة الإنكا العالم على مر العصور منذ اكتشفها الأسبان عند غزوهم للمنطقة. ولكن أبرز ما حير المتابعين لها هو كيف أسس شعب الإنكا تلك الحضارة، في مناطق شاسعة، وعلى مدى قرون، من دون أن تكون لهم لغة مكتوبة.

على ارتفاع 4000 متر عن سطح البحر تشمخ مدينة رابازا في عزلة عن العالم، ربما كانت هي السر وراء احتفاظها بأسرار وكنوز أثرية من معابد وقصور،علاوة على مجموعة من الحبال الصوفية المعقودة، التي تسمى «حبال الخيبو».

والتي ربما تفسر كيف حافظ شعب الإنكا على إمبراطوريته، رغم أنه على العكس من معاصريه مثل الإمبراطورية العثمانية وأسرة مينغ الحاكمة في الصين، لم يكن لديهم لغة مكتوبة، باستثناء تلك الحبال المعقودة.

ويقول خبراء الآثار في تقرير أوردته صحيفة «انترناشيونال هيرالد تربيون» إن الانكا استخدموا هذه الحبال المعقودة المصنوعة من شعر الحيوانات، مثل حيوان اللاما وحيوان الألبكة كبديل عن الكتابة.وربما ساعدهم هذا الأسلوب في تبادل المعلومات عبر المنطقة الممتدة من جنوب كولومبيا إلى شمال تشيلي.

ولا تزال طريقة الكتابة لدى الإنكا، إن وجدت، من بين أكثر اللغات في العالم استعصاء على حل رموزها، حيث تشير مدونات تعود إلى بداية عصر الاستعمار إلى فشل المستكشفين الأوائل في فك رموز تلك الحضارة.

واستخدم الباحثون في جامعة هارفارد قواعد معلومات ونماذج حسابية، في جهود حديثة لفهم معاني «حبال الخيبو» التي تعني في لغة أهل الانديز «العقدة». ولا يزال الملايين يتحدثون لغة الإنكا حتى اليوم، في منطقة جبال الانديز.

ويعتقد خبراء الآثار بأن هناك نحو 600 «خيبو» باقية من آثار الإنكا. وقد نقل هواة جمع الآثار الكثير منها من بيرو قبل عقود عدة، منها قطعة رئيسية كبيرة تقبع الآن في متحف برلين. كما يعتقد أن الكثير منها تم تدميره، بعدما اعتبرها الأسبان طقوسا وثنية في العام 1583.

لكن رابازا، التي يسكنها نحو 500 نسمة، يعيشون على تربية حيوانات اللاما والماشية ويزرعون المحاصيل توفر نموذجا نادرا لما كانت تمثله «الخيبو»، خلال مجد إمبراطورية الإنكا وبعد انهيارها بكثير. وتحتوي القرية على واحدة من آخر مجموعات «الخيبو» التي لا تزال تستخدم استخداما دينيا.

تقول مارسيلينا جالاردو:» اشعر أن أجدادي يتكلمون معي عندما أنظر إلى الخيبو.» وتعمل جالاردو في الرعي وتعيش مع أبنائها في «باونا» في منطقة الانديز فوق خط الأشجار، حيث تنخفض درجات الحرارة إلى ما دون الصفر خلال الليل، وحيث تعتدي الحيوانات آكلة اللحم على ماشيتها. وأضافت جالاردو: «الخيفو هو جوهرة حياتنا هنا».

الطريف أنه حتى في منطقة الانديز لا أحد يزعم أنه يفهم ما تعنيه «الخيبو» أو العلوم والمعارف التي تحويها عقدها. وتحفظ أحبال الخيفو المتبقية في منزل يطلق عليه اسم كاها واي. كما إن ضفائر الخيفو الدقيقة مزينة بعقد وأشكال آدمية دقيقة.

ويبدو أن قدرة أبناء القرية على فك رموز أحبال الخيفو قد تراجعت، مع رحيل المتقدمين في السن منهم، قبل فترة طويلة. لكن الباحثين يقولون إنهم يعتقدون أن لغة الخيفو ربما كانت لا تزال تستخدم، حتى أوائل القرن التاسع عشر.

عصام بيومي