لم تزل فكرة احتمال انقراض الوسائط الإعلامية المطبوعة، مثل الصحف والكتب، تشغل بال الكثيرين منذ فترة طويلة، وخاصة خلال العقد الفائت. وقد تراوحت الآراء في ذلك بين اعتقاد بقرب زوالها، وآخر بقدرتها على البقاء.
الرأي الثاني دعمته تطورات عدة في السنوات الأخيرة. فمع نجاح أفلام معتمدة على روايات مكتوبة ومطبوعة في الأصل، مثل سلسلة روايات «هاري بوتر»، بدأت التساؤلات تأخذ منحى آخر: أيهما يخدم الآخر، الفيلم أم الكتاب، المرئي أم المطبوع؟
هذه التساؤلات يثيرها تقرير نشرته صحيفة «أوبزرفر» البريطانية تحت عنوان تساءلت فيه عما إذا كان بإمكان أفلام سينمائية ناجحة إنقاذ صناعة الكتاب المطبوع أم أن هذه صحوة الموت لعالم الكتب المطبوعة؟
أحدث كتاب مطبوع يفجر النقاش الآن بشأن مستقبل الكتاب في شكله التقليدي هو كتاب رئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير «رحلة» الذي صدر، أخيرا، وأثار ضجة كبيرة في الأوساط الثقافية في الشرق والغرب، وحقق أكبر مبيعات في نسخته الورقية متفوقا بذلك، حتى، على روايات «هاري بوتر» المشهورة.
الأكثر لفتا للانتباه في كتاب بلير هو أنه دون الكتاب، المؤلف من 720 صفحة، بيده كلمة بكلمة على شكل مئات القصاصات ولم يستخدم الأجهزة الالكترونية الحديثة.
بلير والضجة الاعلامية
وقد حقق كتاب بلير، الذي يعد مذكرات شخصية وسيرة ذاتية لحياته، أرقاما قياسية في مبيعات كتب السير الذاتية في تاريخ بريطانيا، حيث تفوق في اليوم الأول لعرضه للبيع، في مكتبة ووترستونز في وسط لندن، على ما حققه كتاب «الرجل الثالث»، الذي تناول مذكرات اللورد بيتر ماندلسون (حليف توني بلير ووزير سابق في الحكومة العمالية)، والذي كان يتربع على عرش أكثر السير الذاتية مبيعا حتى الآن.
وتقول كاثي رنتسنبرنك مديرة فرع «ووترستونز» في منطقة ريتشموند إن: «هذه المبيعات رائعة، ومثيرة للاهتمام حقا. إنك لا تجد دائما زبائن مستعدين لتحطيم أبواب المكتبة لشراء كتاب، لكن بلير حطم الأرقام القياسية، وحتى ماندلسون. لم أر مبيعات بهذه الضخامة منذ «هاري بوتر» ودان براون (مؤلف رواية شيفرة دافنشي، التي تحولت فيلما سينمائيا)».
وتضيف: «من النادر أن يتفوق كتاب في طبعته، فاخرة التجليد، على نسخته الاقتصادية، الأرخص ثمنا، ولكن يبدو أن هذا الكتاب هو استثناء لهذه القاعدة». وتستطرد قائلة: «لا أعرف حجم مبيعات الكتاب في نسخته الالكترونية، أو المسموعة، أو حجم الخصومات على مواقع الكتب المشهورة، لكن المهم هو أن كتابا مطبوعا ضخما يحقق هذا الكم من المبيعات».
وقد تراوح سعر الكتاب بين 5 .12 جنيها استرلينيا بتخفيض 50% على سعره الأصلي، إلى 100 و150 جنيها في بعض الأماكن، أي ستة أضعاف السعر الأصلي.
وفي وقت توقع البعض أن يبدو كتاب بلير مثل الأنتيكات على الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، أي في أميركا وكندا، فقد حقق هناك المفاجأة نفسها، رغم اعتماد جمهور القراء في الدولتين، منذ فترة، على الكتب الإلكترونية بشكل أساسي، كشكل من أشكال تطور المجتمع الاستهلاكي الكبير.
وأينما تذهب في الولايات المتحدة تشاهد بريق أجهزة قراءة الكتب الالكترونية، يطالعها الناس، كأنها قصص ما قبل النوم، في مشهد يحل محل مشهد القراء الغربيين، في العقود الأخيرة للقرن العشرين، وهم يمسكون بالكتب المطبوعة في وسائل المواصلات العامة عند الذهاب والإياب من العمل.
وقد انعكس ذلك ارتفاعا كبيرا في مبيعات الكتب الإلكترونية، وسط تشاؤم كبير بمستقبل الكتاب المطبوع، إلى درجة أن البعض يتساءلون عما إذا كان الكتاب الورقي قد وصل إلى مرحلة دخول العناية المركزة أو أنه دخل المشرحة بالفعل! ورغم ذلك، حل كتاب بلير في المرتبة 12 في ترتيب الكتب الأكثر مبيعا في الولايات المتحدة، وتاسعا في كندا، وهو ترتيب متقدم للغاية مع الأخذ في الاعتبار عدد الكتب التي تصدر كل عام في البلدين.
ارباح مبيعات الكتب
في العام 1997، الذي تولى فيه حزب العمال الجديد الحكم، بلغ حجم أرباح بيع الكتب في بريطانيا 914 .1 مليار جنيه استرليني (3 .3 مليارات دولار).
وفي العام 2000 ارتفع المبلغ إلى 242 .2 مليار (6 .3 مليارات دولار) وفي 2007، العام الذي ترك فيه بلير الحكم، بلغت الأرباح قمة جديدة محققة 602 .3 مليارات جنيه استرليني (7 .5 مليارات دولار). وارتفع العدد الإجمالي للكتب الجديدة التي تصدر كل عام من 100 ألف
في بريطانيا، لا تضاهي مبيعات الكتب الإلكترونية نظيرتها في أميركا، لكن هناك تطلعات للتقدم في هذا المجال.
وبات انضمام الكتاب الإلكتروني إلى الهاتف المحمول والآي باد، كمكونات أساسية من أسلوب حياتنا، مسألة وقت فقط، ولا يجادل في ذلك إلا ذوو العقلية الرجعية، مثل الذين عارضوا ميكنة صناعة النسيج في بريطانيا، في القرن التاسع عشر.
ولا شك في أن الكتاب الإلكتروني بات مكملا ل«آي باد»، وقد دشنت «أمازون»، أخيرا، حملة ترويج لأحدث إصداراتها في هذا الصدد. يمكنك أن تستنكر هذا التصريح، لكن عليك أن تكون مستعدا إذن لهذا الخبر فقد أعلنت شركة إنتاج «قاموس أكسفورد الإنجليزي» أنه ليس أمامها سوى إصدار طبعتها الثالثة من القاموس، والتي استغرق إعدادها 21 عاما، على الإنترنت، وأنها لن تكون ورقية.
سيحتل كتاب «رحلة» بلا شك مكانه بين أكثر الكتب الورقية مبيعا، لكن الكثير من المراقبين يتابعون بشغف تطورات مبيعاته الالكترونية.
فداخل صناعة الكتب ذاتها، تحول اللاعبون الأساسيون، مثل الناشرين والمحررين والبائعين، إلى الكتب الإلكترونية، بينما يستشرف بعض المؤلفين آفاق هذه التكنولوجيا. رغم ذلك، يقول كثير من ناشري الكتب التقليدية، بشكل خاص، إن الكتاب المطبوع سيظل يصنع ويشترى، ويعتز به.
صناعة الكتاب
منذ العام 2000 تعرضت تلك الصناعة «الأنجلو-أميركية» لهزات عنيفة. فقد حولت شركة «غوغل» أكثر من 10 ملايين عنوان إلى نسخ رقمية الكترونية. وعُرضت دار «بارنز ونوبل» للبيع.
وأعلنت دار «بوردرز» إفلاسها في بريطانيا، بينما لاتزال تتشبث بالحياة في أميركا. وفي بريطانيا تريد شركة «إتش إم في» الشركة المالكة لمكتبة «ووترستونز»، بيع أصولها. في الوقت نفسه، يستمر تزايد نصيب مكتبات الإنترنت، مثل «أمازون»، من السوق. وبدأت محال التسوق والتجزئة الكبرى، مثل «أزدا» و«تيسكو»، في التخلي عن رعاية صناعة بيع الكتب المستقلة.
وفي الولايات المتحدة، يتردد الآن أن مبيعات الكتب الإلكترونية تفوق الكتب المطبوعة. وبنهاية 2010، يتوقع أن يمتلك 3 .10 ملايين أميركي أجهزة لقراءة الكتب إلكترونيا، وأن يشتروا 100 مليون كتاب الكتروني، مقارنة ب7 .3 ملايين جهاز، و30 مليون كتاب فقط في العام 2009.
ولكن في ظروف الركود الاقتصادي الحالي انخفضت أرقام المبيعات. غير أن السبب الحقيقي للانخفاض يبقى هو الهجوم الذي طال أمده، على البنية الأساسية لصناعة الكتب المطبوعة، التي يعتبر الوقت فيها مقدسا.
عصام بيومي
