اذا كنت مديرا تنفيذيا لإحدى الشركات وتقرأ هذه المقالة فاحتفظ بها. واذا كنت موظفا يعمل في شركة كبيرة أو متوسطة الحجم في دبي، أو خارجها، فاعرض هذه المقالة على مديرك مع عبارة: «صباح الخير، اعتقد انه بوسعك ان تمنحني وظيفة كمتعقب لما يتداوله الناس عن شركتنا على موقع تويتر.
وبوسعك ان توظف زميل آخر لي للمعاونة، على أن تتكفل شخصيا بالرد، فمهووسو تويتر لا يرضون بأقل من الإجابات الصادرة عن الرئيس التنفيذي مباشرة». واذا لم يتحمس مديرك لهذا الطلب، فليقرأ السطور التالية.
يجمع خبراء التسويق أن الظاهرة التي بدأنا نعيشها هي انقلاب الأسس التي كانت تعتمد عليها الشركات في وقت سابق من أجل تبناء كوين سمعتها وتكوين علامتها التجارية في نظر المستهلكين.
ولم تعد الإعلانات أو حفلات إطلاق المنتجات أو رسائل البريد هي الوسائط التي يتم استخدامها حصريا من أجل تلك الغاية، فتبادل القصص الذي يجريه المستهلكون بين بعضهم البعض، مباشرة وفي اللحظة ذاتها التي يختبرون فيها المنتج أو الخدمة التي تقدمها الشركة، بات مقياسا أساسياً يعتد به.
لا بل أن هذه القصص تمكنت في فترة وجيزة من التأثير على سمعة علامات تجارية قضت عقودا من الزمن، بما يعني استثمار مئات الملايين من الدولارات، من أجل ترسيخ هذه السمعة.
يقول جوناثان شرودر، الخبير في إدارة الأعمال: «نحن اليوم نعيش في زمن المشاركة في إيجاد العلامة التجارية.. ما يشكل العلامة التجارية حقا هو القصص التي يرويها الزبائن لبعضهم البعض والتجارب والقيم التي يتبادلونها».
إن زيادة شعبية موقع تويتر Twitter, موقع المدونات، يمكّن الشركات من رصد ما يقوله الناس عنها ولكنه يساعدها كذلك على المشاركة بصورة نشطة مع الزبائن. «تقول عدة شركات إنها لا تستطيع تعيين شخصين لمتابعة التعليقات والرد عليها، ولكن هذا هو ما على الشركات فعله. فهي في حاجة للانخراط في محاورة مستمرة لكي لا تتعرض لمفاجآت هائلة».
والأهم من ذلك هو أن العلامات التجارية في حاجة إلى شخص في منصب كبير التنفيذيين ليكون بطلها. فقد بينت التجارب أنه إذا لم يكن الرئيس مشاركا، تنخفض كثيراً فرصة النجاح. وفي شركات مثل أبل، وهي تعتبر بحسب مؤشرات العلامات التجارية العالمية إحدى العلامات المقربة من قلوب الجمهور، يقوم رئيسها ستيف جوبز بتعقب ما ينشر على «تويتر» عن العلامة التجارية ويدعمها.
ويبدو أن هذا الجو الجديد الذي خلقه «تويتر» من الحوار المباشر بين الجمهور والقيمين على العلامات التجارية، قد يكون مفعما أيضاً بشيء من الفوضى التي تصف تصرفات الجمهور المجانية، والارتباك الذي يسيطر على رؤساء الشركات الخائفين على سمعة علاماتهم التجارية.
وفي مقالة معبرة نشرتها صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية عن هذه القضية قبل أيام بعنوان «موقع تويتر ليس وسيلة لإدارة الفوضى الفاضحة».
تروي كاتبة المقالة لوسي كيلاواي القصة التالية التي تتعلق بالعلامة التجارية «ستارباكس»: خلال إجازة البنوك في نهاية الأسبوع، كان الناقد السياسي الساخر أرماندو إينيوشي يقود سيارته على طريق ح04 لقضاء يومين في سنودونيا، حيث توقف عند مقهى ستاربكس على الطريق.
وبما أنه رجل يحب أن يسجل كل أفكاره على موقع تويتر، فقد أرسل هذه الرسالة إلى أتباعه البالغ عددهم 80 ألف شخص ما زلت مندهشا لأنه، على الرغم من هيمنته على السوق، إلا أن «ستاربكس» لم يقض على الرائحة الشبيهة برائحة المرحاض التي تشمها حين تدخل.
في غضون دقائق، رد عليه دارسي ويلسون- رايمر، رئيس شركة ستاربكس في المملكة المتحدة، بالقول: شكرا لمشاركتك. ما هو المتجر الذي ذهبت إليه؟ كد إينيوشي أنه كان في فرع وارويك، ولكن هذه الرائحة الكريهة موجودة في عدة متاجر. وشكره المدير الإداري مرة أخرى، ووعد بالتحقيق في الأمر. ثم أجاب الناقد على تويتر: هذه أخبار جيدة. «ستاربكس» الآن تحقق في مسألة رائحة المرحاض المنتشرة في متاجرها.
وتتابع الكاتبة: سيقول لك خبراء وسائل الإعلام الاجتماعي إن هذا مثال ممتاز على الكيفية التي يجب أن ترد بها الشركات على زبائنها على موقع تويتر. لا بد أن تكون الاستجابة سريعة، ومهذبة من قبل أحد المسؤولين الكبار. وبهذه الطريقة، يتم إيصال صوت الزبائن، وحماية سمعة الشركات.
لكن بالنسبة إلي، لا يبدو تبادل الردود هذا مثالاً جيداً على أي شيء. وبدلاً من ذلك، يبين أن الشبكات الاجتماعية على الإنترنت تجعل الإدارة تركز على الأشياء الخاطئة، وتجعل الجميع يشعر بالملل في هذه الأثناء.
وتحلل: تثير مسألة الاستجابة لرائحة المرحاض ثلاثة أسئلة مهمة. الأول هو: هل رائحة متاجر القهوة العالمية تشبه حقاً رائحة المرحاض؟ إذا كان هذا صحيحاً، لم يكن ينبغي على المدير الإداري الاعتماد على هذه الطريق الملتوية والعشوائية لاكتشاف ذلك. ولا شك أنه كان يجب على موظفيه إعلامه بذلك منذ فترة طويلة. يتعلق السؤال الثاني بالسمعة.
هل من المهم أن يخبر أحد النقاد الساخرين أتباعه ال80 ألفا على «تويتر» أنه يعتقد أن رائحة «ستاربكس» نتنة؟ أشك بذلك. وبحسب علمي، لم يرد أحد منهم، وسأشعر بالدهشة لو تناول أحدهم قهوته من محل آخر، مثل كافيه نيرو فننم خمُْ ذلك الصباح، بدلا من «ستاربكس».
مع ذلك، حتى لو كانت تعليقات إينيوشي قد تتسبب في ضرر، فهي تثير سؤالا ثالثا: ماذا كان ينبغي على «ستاربكس» أن تفعل حيال ذلك؟
وتختم بلهجة ساخرة، وان احتملت الكثير من النقد المر لما آلت إليه الأمور: إن رد ويلسون- رايمر «شكرا لمشاركتك» هي الصيغة التقليدية للرد على شكاوى العملاء، ولكنها على «تويتر» تبدو مجوفة وفارغة أكثر من المعتاد.
فلو كنت رئيس «ستاربكس»، وزعم أحد النقاد الأذكياء المشهورين أن رائحة متاجري تشبه رائحة المرحاض، فسأشعر أني أرغب في وضع رأسه في أقرب مرحاض، بدلاً من شكره. ولكن الأهم من ذلك هو أن تعليق إينيوشي على «تويتر» لم يكن مشاركة أو تغذية راجعة.
فقد كان ملاحظة لأتباعه. ولم يكن موجها إلى «ستاربكس»، وبالتالي لم يكن من الضروري أن ترد «ستاربكس». على الأقل، سيتم توفير الكثير من وقت الإدارة لو لم يتم الاهتمام بمثل هذه الأمور.
فقد بحثت عن اسم «ستاربكس» على موقع تويتر، وفي كل دقيقة يقول الكثير من الأشخاص عن هذه السلسلة أمور مثل: أنا أجلس للاسترخاء في ستاربكس؛ أو «أنا في ستاربكس». وحين تبحث في التعليقات الكثيرة تجد بعض الشكاوى الحقيقية: عن الكوب الذي يسرب السائل أو المادة الغريبة في كوب الفانيلا لاتي.
وتقول الكاتبة التي قامت بما يشبه الاستقصاء: اتصلت بهؤلاء الأشخاص وسألتهم ما إذا كانوا تلقوا ردودا من الشركة. ولكنهم لم يتلقوا أي رد. ثم بحثت في تحركات ويلسون- رايمر على «تويتر»، ووجدته يحاول بشجاعة إدارة هذا الطوفان، حيث يعطي التوجيهات لأقرب متجر، ويتعامل مع الشكاوى على بطاقة ستاربكس، ويعلق على حجم أوراق الشاي.
ودقيقة بدقيقة، في الأمسيات وعطلات نهاية الأسبوع، تأتي الردود العشوائية على رسائل الزبائن. سألت ما إذا كان قد وظف شخصا ما للقيام بهذه المهمة المريعة بالنسبة إليه.
ولكنه أجاب على موقع تويتر يقول: لا، جميع الردود والتعليقات على تويتر هي مني. أعتقد أنه من المهم الاستماع للزبائن والتعلم من الأخطاء التي نرتكبها، ولذا أحاول الرد على الجميع.
وقد قامت كيلاواي في نهاية المطاف بتجربة شخصية لاختبار هذا النظام. تقول: حاولت اختصار رأيي بسلسلة متاجر القهوة ـ التي عبرت عنها ذات مرة في عمود من ألف كلمة ـ في تعليق بسيط على تويتر. «ستاربكس لغز»: القهوة سيئة ومكلفة، والديكور بشع، والمكان قذر في أغلب الأحيان.
فلماذا نستمر في الذهاب إلى هناك؟ لقد كتبت هذا التعليق على تويتر، ولكني لم أتلق بعد أي رد. ربما السبب في ذلك هو أن ويلسون ـ رايمر لا يعرف الإجابة تماما مثلما لا أعرفها أنا. أو ربما لأنني استخدمت حسابا في موقع تويتر لا يضم سوى 10 أتباع!
العودة عن الغرور
وتشير هذه القصة بشكل واضح إلى مرحلة جديدة بدأت الشركات ذات العلامات التجارية تخوضها، ففي الماضي لم تكن لرفة الفراشة في نيويورك ان تؤثر بتلك الفعالية والسرعة على احدهم في طوكيو (هذا شعار تسويقي قديم).
وكان الأمر يحتاج إلى أيام وربما أسابيع لكي يمتد التأثير خارج مكان الفعل أو ردة الفعل، لكن إعلام الوسائط الاجتماعية مدعوما بالتقدم التكنولوجي الهائل، قلص هذه المدة إلى ثوان معدودات، الأمر الذي جعل شركات كثيرة كانت قد ارتخت ونال منها الغرور بفعل تضخم علامتها التجارية وانتشارها، تصحو من جديد لمواجهة التحديات المقبلة.
فقد كانت سلسلة مقاهي «ستاربكس»، نفسها، علامة تجارية قوية وناجحة جداً في أميركا الشمالية، وكان أحد أسباب ذلك هو براعتها في تقديم ما يريده الزبائن. ولكن، كما يقول الخبراء، سرعان ما امتلأت بالغرور بعد ذلك بعد أن ركزت بصورة كبيرة على النمو عن طريق افتتاح متاجر جديدة بحيث فقدت تواصلها مع زبائنها الأساسيين.
ونتيجة لذلك، تضررت صورة وسمعة «ستاربكس» في بعض الأسواق، مثل المملكة المتحدة والشرق الأوسط، وها هي اليوم تضطر لكي تتفاعل مع مستهلكي منتجاتها مباشرة عبر «تويتر».
ولا يقتصر الأمر على «ستارباكس»، فعلامتي «جوجل» و«بريتيش بتروليوم» في مهب الريح أيضاً. في فبراير الماضي، وجدت «جوجل» اُُهٌم نفسها في موقف غير عادي، حيث لم تكن منسجمة مع زبائنها.
فحين أطلقت الشركة خدمة الشبكات الاجتماعية الخاصة بها، وهي «بز» ِّ»»، واجهت وابلاً من الانتقادات من المستخدمين الذين اعترضوا على الطريقة التي سجلت فيها مستخدمي «جي ميل» اٍفيٌ، خدمة البريد الإلكتروني ل«جوجل»، تلقائياً في الخدمة الجديدة.
وتتمثل شكواهم في أن ذلك سيجعل معارفهم الشخصيين معروفين للعموم. وصدمت «جوجل» بهذه الضجة ولكنها عزت السبب إلى خطأ تم ارتكابه بحسن نية وسارعت إلى جعل خدمة «بز» اختيارية.
وبالنسبة لشركة احتلت المرتبة الثانية في استطلاع أجرته أخيرا مجلة «فورتشن» ئَُُِّّْم بين قائمة الشركات المحبوبة في العالم، كان من المزعج ارتكاب مثل هذا الخطأ مع المستخدمين. كما أن هذه المسألة تعتبر نوعاً من المغالطات المنطقية، إذ كيف يمكن لشركة معروفة بكونها مرتبطة بشكل غريزي مع الزبائن أن ترتكب مثل هذا الخطأ؟
«العودة إلى الأساسيات»
وهناك تحد آخر يواجه الشركات، وهو كيفية إدارة سمعتها حين تصبح عملياتها أكثر عالمية. فعلى سبيل المثال، كان من الأسهل على «جوجل» الالتزام بشعارها حين كانت تعمل في أسواق منفتحة مثل الولايات المتحدة وأوروبا الغربية، ولكن تبين أن هذا أكثر صعوبة في البلدان الخاضعة للرقابة، مثل الصين. وتواجه الشركات الآسيوية صعوبة مماثلة أثناء محاولتها تحقيق النمو خارج أسواقها المحلية.
فشركة تاتا مثلاً هي أكبر وأغلى علامة تجارية في الهند، إلا أن صورة العلامة التجارية للدولة نفسها ضعيفة في الغرب. ذلك أن كثيرين يعتبرون الهند، إلى جانب خدمات تقنية المعلومات، مصدراً للسلع والخدمات منخفضة التكلفة والجودة. كيف يمكن لشركة تاتا أن تتجاوز هذه الصورة؟ أحد الخيارات هو أن تقتفي أثر شركة سوني في إيجاد علامة تجارية عالمية لا تختص بدولة معينة.
ولكن هناك مخاطر في هذا المجال كذلك. فعلامة «تاتا» التجارية مرتبطة بهويتها الهندية. ويقول بيتر أنسوورث، الرئيس التنفيذي لشركة تاتا جلوبال بيفيريجز: «شركة تاتا ترتبط بالهند.» وقطع الصلة بالهوية الهندية قد يضر بعلامة «تاتا» التجارية أكثر مما ينفعها.
كيف يمكن للشركات تجنب مثل هذه المشكلات؟ انه نهج «العودة إلى الأساسيات». فأحد العناصر الرئيسة في أي علامة تجارية ناجحة هو الثقة. فلا بد أن يؤمن الزبائن أن قيم العلامة التجارية حقيقية، وليست مجرد شعارات ترددها الشركات.
«لا تكن شريرا»
وتتفاوت التقديرات بشكل كبير، ولكن في عام 2009 قدرت «ميلوارد براون أوبتيمر»، وكالة أبحاث، قيمة علامة «جوجل» التجارية في حدود 100 مليار دولار. وحتى قبل الضجة التي ثارت بشأن خدمة «بز»، كان هناك علامات تدل على وجود شقوق في هذا الصرح.
فقد تضررت سمعة «جوجل» بسبب قرارها دخول السوق الصينية، حيث وافقت في البداية على مطالب الحكومة بفرض رقابة على نتائج البحث، ولكنها تراجعت وأعادت توجيه المستخدمين إلى موقع لا يخضع للرقابة في كانون الثاني (يناير) في هونج كونج.
وتساءل المراقبون فيما إذا كان قرار دخول الصين أصلاً قد أثار الشبهات حول القيم التأسيسية لشركة جوجل، التي تتلخص في شعارها غير الرسمي الذي يقول: «لا تكن شريرا.» .
يقول روهيت ديشاباند، وهو أستاذ في التسويق في كلية هارفارد للأعمال، إن ضغوط النمو تعني أن بعض الشركات، خاصة الشركات المبتدئة، تنسى تعديل استراتيجياتها حين تصبح أكبر.
ويضيف قائلا: «حين تنمو، ينصب تركيزك على النمو السريع وتميل إلى الانتهازية بشأن تحقيق النمو، ولا تفكر بالرؤية والاستراتيجية. فتفعل كل شيء ولا يكون لديك وقت للتريث والتفكير في الأمور».
دبي ـ رولا علي
