تحت وطأة أوزانهم الزائدة، والطبقات الدهنية الكثيفة التي تلتف حول أجسادهم، يئن نحو 26% من الأطفال في الدولة، وذلك وفقاً لعدد من الإحصائيات المتوافقة الصادرة عن مختلف المؤسسات المعنية.

وتشكل سمنة تلاميذ المدارس مشكلة صحية ونفسية كبيرة، وهنالك الكثير من الجهود التي تبذلها وزارتا الصحة والتربية والتعليم، من أجل التصدي لمشكلة بدانة التلاميذ، غير أنه رغم هذه الجهود، لا تزال المشكلة عصيةً على الحل، ولايزال أبناؤنا أسرى في سجون البدانة.فما هي المخاطر الصحية التي تنجم عن بدانة الصغار على المستويين قصير وطويل المدى؟، وما الاشتراطات الصحية التي يجب على المقاصف المدرسية الالتزام بها، حتى يحظى فلذات الأكباد بالطعام الصحي؟، وما الدور الواجب على الأسرة القيام به من أجل مساعدة أطفالهم البناء للخروج من إسار البدانة؟هذه الأسئلة وغيرها من الأسئلة المهمة، هي ما يحاول التحقيق التالي الإجابة عليه.:مرض خطير:في البداية يقول الدكتور سمير غويبه أخصائي طب الأسرة ومسؤول الإعلانات الصحية في وزارة الصحة: إن الدراسات العلمية الرصينة والموثوق بها، والصادرة عن الجامعات والمؤسسات الصحية العالمية.

تجمع على أن البدانة ليست مجرد زيادة في الوزن، تؤدي إلى أن يصبح البدين ذا مظهر غير محبب أو غير مقبول، وإنما هي مرض خطير، وعامل مساعد يؤدي إلى الإصابة بالكثير من الأمراض.ومن أبرز الأمراض التي تنجم عن البدانة: أمراض القلب والشرايين، وزيادة ضغط الدم، والسكري وارتفاع نسبة والكوليسترول في الدم، والأخطر من ذلك أن هناك دراسة أمريكية حديثة، ترجح أن تكون البدانة الزائدة، من العوامل التي تزيد من معدلات الإصابة بالسرطان.ويضيف: إن ارتفاع معدلات بدانة التلاميذ في الدولة حالياً، تدق نواقيس الخطر بقوة، فهؤلاء الصغار الذين يرجح أن يصابوا بالقائمة السابقة والخطيرة من الأمراض، يشكلون القوة البشرية المستقبلية.وفي حال لم يكونوا أصحاء فإن قدراتهم على العمل والعطاء والمشاركة في دفع عجلة التنمية، ستتراجع إلى حد كبير، هذا بالإضافة إلى أنهم سيشكلون ضغطاً على الخدمات الصحية، جراء ما سيتم تخصيصه من أجل علاجهم مما سيعانون منه من أمراض.ويقول الدكتور غويبه: من مؤشرات الخطر التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمرض البدانة، أن نسبة الإصابة بالسكري في الإمارات تصل إلى حوالي 20% من إجمالي السكان، وهناك دراسات تشير إلى أن نحو نصف بالمائة من أطفال الدولة في المرحلة الابتدائية مصابون بالسكري.

ومع الأخذ في الاعتبار أن السكري قاتل صامت، يؤدي إلى مشكلات الفشل الكلوي والكبدي وأمراض العيون والشرايين والأطراف، فإن الخطر يبدو داهماً وكبيراً ويتطلب مجهوداً كبيراً للتصدي له.

ويختتم كلامه محذراً: إن معدلات بدانة التلاميذ في الدولة، في زيادة مستمرة، نتيجة أسباب متشابكة منها ما هو وراثي، ومنها ما يتعلق بأنماط التغذية الخاطئة أو الحياة الخاملة، ومن المرجح حسب ما تقرره الدراسات العلمية.

أن الطفل البدين سيدخل إلى سن المراهقة والشباب، من دون أن يتخلص من بدانته، وهو الأمر الذي سيؤدي حتماً إلى تعطيل طاقاته وقدراته على العمل والإنتاج، وسيحوله من قدرة فعالة تساهم في التنمية إلى عنصر معطل خامل، يستنزف الميزانيات المخصصة للإنفاق على الخدمات الصحية.

معطيات خطيرة

من جانبها تحدد ندى الأديب، مديرة إدارة التغذية في المنطقة الغربية، عدداً من العوامل التي تسببت في رفع معدلات بدانة التلاميذ في الدولة حيث تقول: إن المؤسسات الصحية العالمية التي صنفت البدانة باعتبارها مرضاً.

قد استندت إلى مجموعة من المعطيات الخطيرة، من أهمها أن نحو 5 .2 مليون شخص يموتون سنوياً بسبب البدانة والأمراض المرتبطة بها، هذا بالإضافة إلى أن البدانة تشكل عاملاً مساعداً يؤدي إلى الإصابة بالكثير من الأمراض المزمنة، التي تضغط على الميزانيات المخصصة للصحة.

وفيما يتعلق بالإمارات بشكل خاص، ومنطقة الخليج العربي على وجه العموم، فإنه من الملاحظ أن ارتفاع معدلات البدانة بين التلاميذ، يشكل مشكلة حديثة نسبياً، ولكنها آخذة في التضخم والتفاقم، مما يجعلها واحدة من الأولويات التي يجب أن توضع على رأس قائمة الخطط الصحية قصيرة وبعيدة المدى.

وأكدت الأديب أن التشجيع على ممارسة الأنشطة والتمارين الرياضية، والتغذية السليمة، يمثل الركن الأساسي للوقاية من السمنة لدى الصغار والكبار، ومما لا شك فيه أن العائلة والمدرسة تستطيعان لعب الدور الأبرز والأهم في هذا الصدد.

وتقدم ندى الأديب مجموعة من النصائح الغذائية التي يمكن الاستناد عليها للأخذ بيد الطفل البدين، ومن ثم إخراجه من سجن البدانة، وتتمثل أبرز هذه النصائح في: الاهتمام بأن يحظى الطفل بوجبة إفطار متوازنة وغنية بالفيتامينات والعناصر الغذائية التي تمد جسمه بحاجته من الكربوهيدرات والأملاح والجلوكوز طوال ساعات اليوم الدراسي.

لأن هذه الوجبة ستساهم في عدم شعوره بالجوع ومن ثم عزوفه عن شراء الحلويات والمياه الغازية، ومن المحبذ أن تحتوي حقيبة الطعام التي يأخذها الطفل معه إلى المدرسة على حبة فاكهة من الفواكه المحببة إليه، أو كوب عصير طبيعي، وأن تبتعد الأم عن المعجنات المصنوعة من الطحين الأبيض، وتستعيض عنها بالخبز المصنوع من الحبوب الكاملة، نظراً لأنه غني بالألياف التي تنظم الهضم.

كما ينبغي أن تبتعد الأسرة تماماً عن الوجبات السريعة، وأن يحرص الكبار على عدم تناولها حتى يكونوا قدوة لصغارهم، وأن يتم الاستعاضة عن رقائق البطاطس المملحة بالمكسرات الغنية بالفيتامينات والدهون الأحادية، ومن الضروري أيضاً أن تهتم الأسرة بتنظيم مواعيد الطعام، وذلك لضبط الساعة البيولوجية عند أطفالهم.

وتتابع: من المهم أيضاً أن تبتعد الأسرة عن المشروبات الغازية، وأن تهتم الأم بتحضير العصائر الطازجة في بيتها، ووضعها بشكل دائم أمام أطفالها، وكذلك عليها تعويدهم على شرب الحليب منخفض الدسم.

لأنه مصدر أساسي للكالسيوم الذي يحتاجه نمو العظم، وعليها الابتعاد قدر الإمكان عن اللحوم الغنية بالدهون، والإكثار من الأسماك واللحوم الحمراء، والحرص على أن يشتمل طعام صغارها على مقدار مناسب من البقوليات والحبوب.

وتنصح ندى الأديب في ختام حديثها بأن تهتم الأسرة بأن يمارس أطفالها الأنشطة الرياضية منذ نعومة أظافرهم، لأن تعويدهم على الرياضة من سن مبكر، سيجعل الرياضة أسلوب حياة لا يستطيعون التخلي عنهم في الكبر، وأن تهتم الأمهات بإشراك أطفالهن في الأنشطة المنزلية.

مثل تنظيف غرفهم أو غسيل السيارة وما إلى ذلك من أنشطة، وذلك بدلاً من الاعتماد كلياً على الخدم، فهذا الأمر سيعودهم على احترام العمل أياً كان نوعه، مما ينعكس إيجابياً على شخصياتهم، بالإضافة إلى دوره في حرق السعرات الزائدة.

رقابة غذائية

لكن... ماذا عن المقاصف المدرسية؟

أليس كل جهد تبذله الأسرة للحرب على سمنة الأطفال، تضيع هباءً منثوراً في حال لم تهتم المدرسة بألا يحتوي المقصف على الغذاء الصحي المتوازن؟

رداً على هذين السؤالين يقول محمد جلال الريايسة مدير إدارة العلاقات العامة والاتصال في جهاز أبوظبي للرقابة الغذائية: إن الجهاز بالتعاون مع مجلس أبوظبي للتعليم وهيئة الصحة بأبوظبي قد انتهى من تحديد قائمة بالأغذية التي يجوز تقديمها للطلبة في المدارس، وذلك في إطار الحرص على محاربة آفة البدانة والحد من مخاطرها، وللتأكد من أن يحظى التلاميذ على الطعام الصحي المتوازن.

وتحظر القائمة بيع رقائق البطاطس والمشروبات الغازية والأطعمة المطهية بالزيوت أو التي تحتوي على صلصات حارة، ومعظم أنواع المعجنات عالية السعرات والمصنوعة من الطحين الأبيض، وكذلك الحليب كامل الدسم، والسماح عوضاً عنه ببيع الحليب منخفض الدسم.

ويضيف: إن الجهاز سيبدأ اعتباراً من بداية العام الدراسي، تكثيف حملاته التفتيشية على المقاصف المدرسية، والتي يبلغ عددها 542 مقصفاً في أبوظبي والعين والمنطقة الغربية، للتأكد من التزام المدارس بتقديم الأغذية المسموح بها، فضلاً عن تطبيق مجموعة أخرى من الاشتراطات الصحية.

منها: أن يكون موقع المقصف بعيداً عن دورات المياه، وأن تكون جدرانه ملساء قابلة للتنظيف، وأن تتوفر فيه شروط الإضاءة القوية، وأن تمنع نوافذه دخول الغبار والحشرات، فضلاً عن مجموعة أخرى من الاشتراطات الصحية.

ويؤكد الريايسة أن جهاز الرقابة الغذائية يحرص كل الحرص على أن تلتزم المقاصف المدرسية بتطبيق المعايير الصحية السليمة، انطلاقاً من أن الحرب على البدانة أصبحت قضية ملحة، ولا يجوز لطرف من الأطراف أن يتقاعس عن تأدية دوره في حماية ثروة الوطن المستقبلية، وطاقاته المنتجة من داء السمنة ذي التداعيات الخطيرة على مستقبل التنمية.

سلوك

عادات غذائية فرضتها الرفاهية الاقتصادية

ترى ندى الأديب، مديرة إدارة التغذية في المنطقة الغربية أن الرفاهية الاقتصادية التي تنعم بها الدولة ساهمت في فرض وترسيخ أنماط حياتية جديدة، فأصبحت الأسر أكثر اعتماداً على الأغذية السريعة فقيرة الجودة، عالية السعرات.

وانخفضت معدلات النشاط الحركي، نتيجة الاعتماد على منتجات الحياة الحديثة المرفهة، وأصبح صغارنا أكثر ميلاً إلى الكسل والخمول، فبدلاً من ممارسة الألعاب الحركية، أصبحوا يمارسون ألعاب الحاسوب ويقضون الساعات الطويلة أمام شاشات الكمبيوتر.

وبطبيعة الحال أصبحوا في هذه الأثناء يتناولون المياه الغازية والعصائر المعلبة ورقائق البطاطس، وما إلى ذلك من أطعمة ليست ذات فائدة، وتتسم بارتفاع سعراتها إلى أقصى درجة.

وتضيف: أن البدانة تحدث نتيجة اختلال التوازن بين كمية الأغذية المتناولة والنشاط البدني، فجسم الطفل يبدأ مراكمة الدهون في حال كانت نسبة السعرات التي تدخل جسمه أعلى من حاجته.

وعلى هذا الأساس فإن علاج المشكلة يكون باستئصال وتلافي مسبباتها، ويكون عبر الاهتمام بأن يحظى الطفل بالعناصر الغذائية المتوازنة والكافية، وتعويده على ممارسة الأنشطة الحركية التي تكفل لجسمه السلامة والاعتدال.

تحذير: السمنة تؤدي لأمراض نفسية

لا تقتصر مخاطر البدانة على إصابة الطفل بالأمراض العضوية، فهي تؤدي أيضاً إلى الإصابة بالأمراض النفسية، وعلى رأسها الاكتئاب، وفقاً لما يؤكده الدكتور أحمد يوسف المدير الطبي للمركز الوطني للتأهيل.

ويقول: إن عدم قدرة الطفل البدين على الانسجام مع أقرانه والانخراط معه في مختلف الأنشطة التي يمارسونها، تدفعه في معظم الأحيان إلى الانسحاب من الحياة الاجتماعية، والابتعاد عن أقرانه، وتبدو هذه المشكلة أكثر حدة لدى الفتيات في مرحلة البلوغ، حيث يشعرن بعدم جاذبيتهن، وقد يؤدي الأمر إلى إصابتهن بحالات الاكتئاب الحاد الناجمة عن عدم تقبل الذات.

ويضيف تعليقاً على مقولة أن البدناء يتمتعون بخفة ظل لأسباب هرمونية: إن هذه الفرضية لا تمتلك دليلاً علمياً يمكن الاطمئنان إليه، وهناك دراسة علمية حديثة صدرت عن جامعة جورجيا الأمريكية، تؤكد أن الفتيات اللواتي يعتقدن أنهن بدينات أو أوزانهن زائدة تراودهن أفكار الانتحار بنسبة 6 .5% أكثر من قريناتهن معتدلات الوزن، وأن احتمال إقدامهن لوضع حدٍ لحياتهن يزيد بنسبة 2 .3% عن قريناتهن.

ويقول: إن علاج الأمراض النفسية الناجمة عن السمنة، يجب أن ينطلق أولاً من تخليص الشخص من أسباب المرض، لأن الطب النفسي لا يستطيع ليّ عنق الحقيقة، وإيهام الشخص البدين بأنه على ما يرام في حين أنه يرى مشكلته ماثلةً أمام عينيه، ويشعر بالحرج الاجتماعي الذي قد يتعرض له نتيجة سخرية بعض الأقران، خصوصاً في المراحل المبكرة من العمر.

أبوظبي- محمد مصطفى موسى