قرر ديفيد بيلي، أشهر مصوري بريطانيا، أخيرا، أن يمارس فن النحت، مستخدما أعلاما وهياكل عظمية لحيوانات، إضافة إلى حبوب محطمة، مركزا على إنجاز عمل نحتي خاص لصديقه القديم آندي وارول.
وفي الاستديو الخاص به، في منطقة دارتمور ببريطانيا، تناول بيلي وعاء معدنيا ملأه بالحبوب، وعندئذ تناول قدرا آخر من الحبوب ليصممها على شكل رأس لوارول. والفكرة هي أن يبدو الرأس وكأنه يخرج من الوعاء، على أن يسمى النحت عند اكتماله، «آندي الميت».ويقول بيلي، الذي يعد من ألمع مصوري العالم، حول عمله هذا: «كنت أحسب أنني اعرف ما أفعل. ولكن عندما استيقظت في الصباح، كان هذا الشيء قد انفجر. كانت كارثة بحق، الجص تناثر في كل مكان». وتعلق زوجته كاثرين قائلة: «الحبوب المجففة التي تبللها في الليل، تصبح هذه حالتها في الصباح».:مبدع في الـ72:كان هذا الحديث يجري ونحن نجلس في شرفة منزله الريفي، الذي يعود إلى القرن الثالث عشر، في دارتمور، لنتناول وجبة غداء أعدتها كاثرين. ومن شرفة منزل بيلي تبدو التلال الخضراء ممتدة إلى ما لا نهاية، أو على الأقل حتى «تركوي».
لكن بيلي المصاب بالربو يشكو من كون المكان رطبا بالنسبة له. يعمل بيلي بجد، أكثر من أي وقت مضى. ويقول في هذا الشأن: «عمري الآن 72 عاما، لكنني أرسم، وأنحت، واصنع صناديق يطلق عليها اسم «دواليب الفضول»، كما أنني أصور. لم أعمل مطلقا من قبل بالنحت، لكنني أتعلم. أنا أحب تعلم الأساليب الجديدة».
لا يراجع بيلي نفسه كثيرا بشأن منحوتاته. وقريبا سيتم عرض منحوتاته في معرض «بانجولين» في «كنجز كروس»، في العاصمة البريطانية لندن. ويقول المنشور الدعائي عن المعرض إن: «بيلي يستبعد الجمال التقليدي، ويركز بدلا من ذلك على الجمجمة التي تقبع تحت الجلد، بمجرد أن تلتقط كاميرته الصورة.
بمجرد أن حول بيلي جين شرمبتون إلى رمز في الستينيات، قام بتصوير الاخوة كراي في أوج عظمتهم، والتقط صورة لبراين جونز مغني فريق رولنج ستونز، ولكنه الآن أدار ظهره إلى المشاهير، ويتصرف مثل الإعلامي الراحل ديفيد أتنبروه، الذي كان مهتما بتاريخ الطبيعة».
ويشرح بيلي حول ذلك: «الجمجمة هي نحت الطبيعة. والجماجم القديمة تأخذ لون الصدأ النحاسي الجميل». وفي المعرض سيقدم بيلي صور جماجم حيوانات متدلية من الجدران، ومجسمات من صنعه. ويضيف: «أنا لست نحاتا، أنا مبدع صور».
أقول لبيلي إنه لمس عصبا حساسا بعرض أعماله في كنجز كروس. فينظر إلي بلا أي تعابير. وعلى ناصية معرض جاجوسيان يوجد عرض «سنوات بيكاسو في البحر المتوسط»، وهو عمل يجسد تجميعا لمنحوتات عدة، يدين لها بيلي بالفضل.
إحدى منحوتات بيلي، تسمى «المرأة الجميلة»، وهو عبارة عن وعاء زيت له صنبور طويل، يتشبث بأرجل الطيور. يبدو هذا العمل كما لو كان امتدادا لأعمال بيكاسو التجميعية. ومنها على سبيل المثال، معزة حامل وضعت لها ماسورة إخراج عادم السيارات كبديل عن الفتحة الطبيعية.
بعيد عن ثقافة ديزني
لا يزال بيلي يصنع الصناديق ولكن بطموح أكبر، بعد الغداء أطلعني على الكثير منها، وقد كان أحدها يسمى «أميركا»، وبه علم كونفيدرالي، ورأس طفل أخضر مقطوع، وشخصية مكسيكية. ويستعرض بيلي في معمله رسما على شكل قلب يجمع بين الزعيم النازي، أدولف هتلر وشخصية ميكي ماوس ويحمل هذا تعليقا: «في العام 1944 قتل هتلر ميكي في أبتون بارك».
كما يوضح بيلي ان ديزني لم تؤثر، ثقافيا، فيه وحده في طفولته. ويضيف: «رأيت بيكاسو في مجلة (لووك) عندما كان عمري 17 عاما. لم أكن أعرف معنى الفن قبل ذلك. وقد أثر في بشدة. أعتقد أنه لو أنني لم أحظ بأي إلهام في حياتي فستكون معرفتي ببيكاسو هي إلهامي الوحيد. أظهر لي بيكاسو أنه ليست هناك قواعد».
تعلق بالأقنعة
ورغم تعلقه بالفن، لم يذهب بيلي إلى مدرسة لدراسة الفن أبدا. وعن هذا يشرح: «لم يكونوا ليسمحوا لي بالالتحاق بسبب درجاتي المدرسية الضعيفة، ولكن على كل حال، أعتقد أن ذلك كان سيضرني، لأن ما افعله هو مباشر وبسيط. لست متأكدا هل كانت مدرسة الفنون ستساعدني لتحقيق ما أنجزته أم لا». بدلا من ذلك توجه بيلي لأداء الخدمة العسكرية في منطقة الملايو.
وعن ذلك يقول: «لي صورة هناك في الغابة بجوار سرير نومي، ومعي صورة لبيكاسو. كانوا يقولون لي: من تظن نفسك؟، ولكنني كنت صلبا، وكنت أتشاجر كثيرا». دأب بيلي على جمع القطع الفنية، وبخاصة الأقنعة القبلية، منذ أوائل الستينيات. وقد أخذني في جولة في منزله، حيث عرض الكثير منها في غرفة المعيشة. وأخبرني بأنني أول صحافي يسمح له بدخول منزله.
وعندما حان وقت الرحيل، سألته: ماذا لو انتقد النقاد منحوتاتك؟ فقال: «أنا لا أهتم إذا كان الناس يحبون أعمالي أو لا. أنا أفعل ذلك لنفسي هذه الأيام. عدد قليل من المجانين فقط هم الذين أبدعوا الفن لأنفسهم، مثل فان غوخ. ولكنني لا أعتزم أن اقطع أذني».
تعليم ذاتي
ديفيد بيلي، المولود في لندن في العام 1938، مصور فوتوغرافي بريطاني ومخرج سينمائي، بدأ يشتهر عندما عمل مصوِّرًا فوتوغرافيًا للأزياء في الستينيات من القرن العشرين، وأصبح يعرف بعد ذلك بوصفه مخرجًا في السينما والإعلانات التجارية، وكاتبًا في التصوير الفوتوغرافي.
تعلم بيلي التصوير الفوتوغرافي تعلُّمًا ذاتيا، وبدأ بالتقاط الصور لمجلات الموضة والأزياء في سنة 1959م. وأخرج أول فيلم وثائقي له في 1968م. وقدَّمت صالة العرض الوطنية للصور في لندن، معرضًا لأعماله في 1971م. أما كتب بيلي في التصوير الفوتوغرافي، فتتضمن: «بابوا نيوغينيا» في 1975، «ديفيد بيلي للتصوير الفوتوغرافي».
بقلم ـ ستيوارت جيفريز
ترجمةـ عصام بيومي

