عاشت كلير شيسكين في عالم ضبابي، فما كان بمقدورها، بعينيها المريضتين، سوى رؤية الأجسام الضخمة القريبة للغاية، وما كان بإمكانها تحديد ملامح الأشخاص القريبين منها، أو تفاصيل البنايات.

غير أن الحال اختلفت اليوم معها، بعد اقتنائها لجهاز يدعى «فويس»، وهذا الجهاز بمقدوره تحويل الصور البصرية إلى ما يشبه الذبذبات الصوتية، أي أنها أصبحت ترى بأذنيها، ، ففي السفر تستخدم الجهاز لتحديد الأماكن المهمة بالنسبة لها.

وفي البيت تلجأ إليه للوصول إلى أغراضها الشخصية، التي تضعها هنا وهناك في أرجاء البيت، وهذا تطلب منها نوعاً خاصاً من التدريب، حتى إنها نجحت في السفر عبر القناة الإنجليزية، وكان بمقدورها التعرف على مصادر الأضواء البعيدة بالاستعانة بالجهاز.

ومكن الجهاز الجديد شيسكين، ومن هم في مثل حالتها، من التعامل مع الصور المختلفة مثل المبصرين، حتى أن كثرة التدرب على الاستقبال عبر الأذن، طورت من قدراتهم على التلقي السمعي دون اللجوء إلى الجهاز، وهذا يعتبر فرصة سانحة للعلماء لدراسة قدرة العقل الباهرة على التأقلم.

مما لا شك فيه أن استعانة الإنسان بحاسة لتعويض النقص في حاسة أخرى أمر معروف منذ القدم، كما أن فكرة اختراع أجهزة لتعويض الحواس قديمة أيضاً، وإن بشكل نسبي، ففي عام 1969، اخترع عالم الأعصاب بول باكي ريتا أول جهاز من هذا النوع.

حيث قام بتثبيت كاميرا تلفزيونية إلى كرسي أطباء الأسنان، كما ثبت عليه مجموعة من المنبهات الكهربائية القادرة على ترجمة وتحويل الصور إلى ذبذبات تلامس ظهر الجالس على الكرسي، فيحس بها، وعلى الرغم من بساطة الجهاز.

إلا أنه مكن العميان من تحديد الخطوط الطولية والعرضية والأفقية والتمييز بينها، لا بل كان بإمكان البارعين منهم تمييز الوجوه والتفاصيل، استناداً إلى ما كان يصلهم من رسائل من هذا النوع، لهذا شكل ذلك الاختراع فتحاً في هذا المجال، وواصل ريتا تطوير اختراعاته حتى وفاته عام 2006.

وقد نجح في تصميم جهاز لا يزيد في حجمه عن حجم الطابع البريدي، يحتوي على مجموعة من الأقطاب الكهربائية توضع على لسان المريض، يمكنه من خلالها تحسس محيطه الخارجي.

الإحساس بالفراغ لدى العميان يدل على أن الدماغ يتعامل مع المعلومات المختلفة وكأنها تتشكل داخل العين، ومن هنا تكونت فكرة اختراع جهاز «فويس» على يد المخترع الهولندي بيتر ميجير عام 1982، لتحرر الإنسان من الأجهزة السابقة التي تعتمد على اللمس بالاعتماد على السمع، صحيح أن الأذن لا تلتقط من المعلومات بقدر ما تلتقط العين، إلا أنها تلتقط قدراً أعلى بكثير مما يلتقطه الجلد عن طريق اللمس.

وفي عام 1998، تمكن ميجير من تطوير الجهاز، بحيث أصبح عبارة عن جهاز كمبيوتر صغير محمول موصول بكاميرا وسماعات للصوت، ثم تطور الجهاز لاحقاً إلى نظارات متطورة مزودة بكاميرات صغيرة جداً، وموصولة بسماعات الأذن.

كما أصبح بمقدور المستخدمين تنزيل البرنامج على هواتفهم الذكية المزودة بالكاميرات والاستفادة منه، حيث تقوم الكاميرات بالتقاط صورة واحدة كل ثانية، ويحولها البرنامج إلى رسائل صوتية، تصل إلى أذن المستخدم مباشرة عبر سماعات الأذن.

تلعب الخبرة دوراً كبيراً في قدرة الشخص على الاستفادة القصوى من الجهاز، ومن أمثلة ذلك ما جرى لفتاة من نيويورك تدعى بات فليتشر، حيث فقدت بصرها كلياً تقريباً في سن الحادية والعشرين، فكانت لا ترى إلا بعض درجات اللونين الأخضر والأحمر بعينها اليسرى وبشكل باهت جداً، وفي عام 2000 بدأت باستخدام جهاز «فويس».

وكانت الصور المتشكلة في دماغها في الفترة الأولى من استخدامها للجهاز أشبه ما يكون برسومات الخطوط والصور ثلاثية الأبعاد، لكنها بعد عشر سنوات من الاستخدام صار بإمكانها أن ترى بشكل أوضح، حيث تقول إن المناظر المتشكلة في دماغها تشبه مشاهدة فيلم بالأبيض والأسود، لكنها دقيقة، ولا تفوتها تفاصيلها.