في سبتمبر الماضي أبحر «ديفيد باربر» على متن كاسحة الجليد الكندية «سي سي جي إس أمندسن» باتجاه بحر بيفورت، شمالي ألاسكا، حيث كان عضواً في فريق يهدف للتحقق من ظروف الجليد في فصل الخريف، وهو الوقت الذي يتقلص فيه جليد البحار القطبية إلى أقصى حد ممكن، قبل أن يعاود التزايد مجدداً مع حلول الشتاء.
اتجه باربر، وهو عالم بيئي من جامعة مانيتوبا الكندية، إلى النوم في إحدى الليالي، بينما كانت كاسحة الجليد تستعد للوصول إلى منطقة عرفت بجليدها السميك، وبما أن كاسحة الجليد لا تستطيع اجتياز الأماكن التي تزيد فيها سماكة الجليد عن متر واحد، فقد كان متوقعاً أن تتوقف في أية لحظة.
لكن باربر صحا في اليوم التالي ليكتشف هو وفريقه أن سفينتهم لا تزال تبحر بالسرعة نفسها التي كانت تسير بها قبل الوصول إلى تلك المنطقة، وهرع الجميع إلى سطح السفينة ليتأكدوا مما جرى، وهناك كان منظر الرقعة الجليدية مثيراً للأسى، حيث لاحظ الجميع مدى انحسار الجليد في الكثير من المناطق.
في سبتمبر عام 2007، تقلصت الرقعة الجليدية القطبية بشكل غير مسبوق، حيث هبطت بنسبة 40% عن معدلها السنوي، لكنها في العام الماضي هبطت بشكل أكبر من عام 2007.
وهذا ينبغي أن يكون مبعث قلق للجميع، لأنه سيؤثر على حياة كل منا، ويرى باربر أن انخفاض رقعة الجليد وحدها عام 2007 ليس هو العامل الوحيد المهم في الأمر، حيث لعب الطقس دوراً بارزاً أيضاً.
فقد شهد ذلك العام تكون الضغط العالي فوق بحر «بيوفورت»، أما شمالي سيبيريا فقد شهد ضغطاً منخفضاً، فيما يعرف باسم « الخاصية ثنائية القطب»، التي تسبب قدوم الرياح الجنوبية الدافئة، ما يسرع في عملية ذوبان الجليد.
أما في عامي 2008 و2009 فلم تفرض تلك الظاهرة نفسها على المناخ، فبدأ الجميع يتحدث عن تحسن في مسألة انحسار الجليد، لكن في يونيو هذا العام عادت الظاهرة لتؤثر من جديد على المناخ، ما أدى إلى انحسار الجليد بشكل أكبر من أي وقت مضى، ثم تحسن الوضع في يوليو حيث توقف تأثير تلك الظاهرة، فعاد الجليد ليكتسي بثوب العافية من جديد.
كما أن نوعية الجليد اختلفت عما كانت عليه، حيث إن باربر وفريقه لاحظوا أن الجليد لا يشكل أية عقبة أمام كاسحة الجليد، والسبب في هذا يعود إلى أن ذلك الجليد متكون من تراكمات سنوات طويلة.
لهذا فإن الثقوب تملأه، ومن السهل كسره واختراقه، لأن طبقة الجليد الجديدة المتكونة كل عام لا تزيد سماكتها على خمسة سنتيمترات، وما تحتها جليد مليء بالثقوب، وبالتالي فهي غير قادرة حتى على تحمل ثقل إنسان يسير عليها، وهذا ما جعل مهمة كاسحة الجليد الكندية «أمندسن» غاية في السهولة.
حيث لم يشكل الجليد أية عقبة لها، لكن لا يعرف العلماء على وجه التحديد مدى انتشار هذه الظاهرة، فالأقمار الاصطناعية لا تستطيع التمييز بين الجليد الصلب والجليد المتحلل، كما أن هذا النوع من الجليد ليست له مقاومة كبيرة للأمواج، لهذا فهو عرضة للتكسر والانجراف.
هذا يعني أن العالم قد يشهد قريباً قطباً خالياً من الجليد في بعض فصول السنة، لأن التغيرات السنوية التي تطرأ على الرقعة الجليدية القطبية كبيرة، فلو نظر المرء للقطب من الفضاء لرآه يكتسي بحلة بيضاء، حتى في الصيف، وهذه التغيرات سيكون لها تأثيرها على الحياة البرية وعلى الإنسان في تلك المنطقة.
ويتوقع العلماء، قياساً على دراستهم للأنماط المناخية التي سادت عام 2007، أن المنطقة القطبية لن تصبح خالية من الجليد في فصل الصيف قبل عام 2050، أما باربر فلا يبدي التفاؤل ذاته، حيث يرى أن هذا سيحدث في أي وقت بين عامي 2013 و2030.
تغيرات جيوسياسية
انحسار الرقعة الجليدية القطبية قد يكون مفيداً للبعض، حيث إن التحديات الهندسية التي تقف عقبة أمام عمليات التنقيب ستصبح أخف، كما أن عمليات نقل النفط بواسطة ناقلات النفط عبر المنطقة القطبية ستصبح أسهل، كما أن مهندسي الحفر والتنقيب عن النفط لن يواجهوا الصعوبات ذاتها التي كانوا يواجهونها عندما كان الجليد أكثر سماكة.
وهذا قد يقود إلى تغييرات جيوسياسية في المنطقة، كما أن مياه البحار القطبية العميقة ستستقبل قدراً أكبر من أشعة الشمس، وهذا سيؤدي إلى تدفئة الجو المحيط خلال الفترة التي تقل فيها سماكة الجليد كل عام.
إعداد: يوسف جباعته
