حينما بدأت ملامح المرض ترتسم في حركته وهو طفل صغير في مطلع ثمانينات القرن الماضي، لم يكن في وسع العائلة الإيمان بأن ولدها يعاني من مرض ما، وساد اعتقاد حينها أن عبدالله ربما وقع ضحية السحر أو الحسد.

وسريعاً تم نقله إلى دول عربية وأوروبية عدة أملاً في الحصول على علاج يساعده على استكمال مشوار حياته سوياً، لكن إرادة الله جل وعلا ظلت فوق كل شيء، وقد انتهى به المطاف بكونه مصاباً بما يسمى «شلل الأطفال».الشاب عبدالله العرياني ابن مدينة العين، لم يدرك ولم يركن أو يستسلم حينما داهمه ذلك المرض وهو في عمر مبكر، بأنه سيصبح منقوصاً من شيء، وبصعوبة ملحوظة كابد متطلبات الحياة وتمكن من نيل شهادة الثانوية العامة من مدرسة مزيد الثانوية بالعين، وقد اعتاد تحمل أعباء المرض والدراسة وحتى الحقيبة المدرسية وهو يذهب إلى مدرسته على عكازين.:مفارقات:إلى الآن يسجل العرياني في مذكراته التي لم تنتهِ العديد من المفارقات والتحديات التي عجز عن تجسيدها الكثير من الأسوياء ممن هم في عمره أو أكبر منه سناً.. فليس غريباً أنه عمل في القطاع الخاص بعيد تخرجه من الثانوية.وأنه تزوج وهو في عمر السابعة عشرة وأنجب خمسة أبناء وهو الآن في مطلع الثلاثينات من العمر، أو أنه يقود سيارة كان يحلم بها وهو صغير، أو حتى يعمل مدرباً للاتصال والعلاقات العامة لفئة ذوي الاحتياجات في مركز التأهيل التابع لوزارة الداخلية.

الغريب حقاً أن هذا الشاب الإماراتي يحتفظ في خزانة إنجازاته الدولية والعالمية بأكثر من 43 ميدالية ذهبية وفضية وبرونزية في ألعاب القوى المتعددة، وفي رياضة الرماية لفئة ذوي الاحتياجات..

إنه بطل في رياضة رفع الأثقال، ومتمرس في رمي «الجلة»، ومقدام في سباق الكراسي المتحركة، ومحترف في الرماية، ومنافس في سباق رالي السيارات، وهو الذي اقتحم عوالم أخرى من الصعوبات عبر القفز بالمظلة أو تسيير الطائرات الشراعية..

إنه الرجل الحديدي كما أطلق عليه أصدقاؤه، أو ربما يستحق مسمى أخطبوط ألعاب القوى والمغامرات، طالما أنه وخلال سنوات معدودة تنقل بين أكثر من رياضة ولم يقبل التنازل عن ممارسة واحدة منها إلا وهو متوج بطلاً مقلداً ببعض ميدالياتها.

عكاز

يقول عبدالله العرياني إنه أراد لنفسه ومنذ الطفولة البحث عما يسمى في قاموس الأشخاص الصعب أو المستحيل، ففي ريعان شبابه لم يمنعه عكازه عن الوصول إلى ملامح جلية من ذلك المستحيل، فهو كما يؤكد ظل يحلم بقيادة سيارة بعد أن ينتهي من المدرسة، وها هو اليوم يتناوب في قيادة ثلاث سيارات.

والأهم أنه تمكن في العام 2000 من المشاركة في سباق القدرة والتحدي في رالي الإمارات، واستحق عن جدارة مطلقة لقب البطولة بعد أن قطع مسافة 500 كيلومتر.

أهم من كل ذلك أن العام 1998 شكل علامة فارقة في مشوار عبدالله العرياني، الذي أقل ما يمكن أن يوصف به أنه شخص يهوى البطولات ويختار الصعوبات، ففي ذلك الوقت بالتحديد اقتحم عبدالله عالم ألعاب القوى متكئاً على عكازه ومتمسكاً بخيار الصعب أو المستحيل، وفي نادي العين كانت انطلاقته المتميزة.

وقد ارتضى لنفسه في البداية خيار الصعوبة المتمثل في ألعاب القوى، وكان أول تحدياته الرياضية في رياضة رمي «الجلة» التي تدرب عليها كثيراً حتى أصبح متمرساً فيها، ولم يتخلَ عنها إلا بعد أن أحرز لقب الأول على مستوى الدولة ضمن فئة ذوي الاحتياجات.

أثقال

بعد هذا النجاح انتقل العرياني إلى رياضة أخرى لا تقل صعوبة عن سابقتها، ألا وهي رفع الأثقال، وفيها أحرز المركز الأول على دولة الإمارات والثالث على مستوى الخليج العربي من بين المتنافسين من فئته.

وفي وقت لاحق وقريب نافس عبدالله في سباق الكراسي المتحركة وبه أيضاً ضمن المركز الأول على مستوى الإمارات، وبذلك فقد استهل مشوار حياته الرياضية بالعديد من الميداليات الذهبية والفضية والبرونزية، قبل أن ينتقل إلى فضاءات أخرى من الإبداع.

عبدالله العرياني الذي اعتاد العمل الوظيفي في مرحلة مبكرة من شبابه، لم يهمل إطلاقاً مهمته الرياضية وهو يجسد شريحة مهمة من أبناء الإمارات ويمثلهم محلياً وإقليمياً وعالمياً، فبعد رالي السيارات الذي أقيم في دولة الإمارات في العام 2000، قطع العرياني مسافة 500 كيلومتر مسابقاً بسيارته تحت مسمى القدرة والتحدي، ونال أيضاً المركز الأول في ذلك الرالي.

الرماية

بعد هذه الإنجازات التي أبهر بها عبدالله زملاءه الأسوياء والمعاقين على حد سواء، توقف قليلاً عن ممارسة تلك الرياضات، وهو القانع دائماً أنه أخذ من كل واحدة نصيباً وسجل في لوحة شرفها اسماً له، بإيمانه الدائم أن لكل رياضة خاضها عمراً محدداً، وهو ما منحه لقب الرجل الحديدي كما أسماه أصدقاؤه.

وفي العام 2007 جاءت انطلاقة أخرى مهمة للعرياني، ألا وهي رياضة الرماية الأولمبية التي تختلف نسبياً عن الرماية التراثية المحلية التي يشتهر بها أهل الإمارات، وتجد رواجاً كبيراً لدى أبناء قبيلة العرياني على وجه الخصوص، وفي منافسات الرماية الأولمبية كانت مشاركته الأولى في بطولة الألعاب العالمية في كوريا الجنوبية عام 2008.

والتي أحرز فيها ذهبيتين وفضية، ومن بطولة العام الماضي 2009 نال ثلاث فضيات وبرونزية، وهو الآن يستعد للمشاركة في بطولة آسيا المنتظرة في الصين، بصفته بطلاً إماراتياً في الرماية الأولمبية لفئة ذوي الاحتياجات.

إنجازات

عبدالله العرياني الذي استحق لقب البطل الإماراتي متعدد المواهب، حاز إلى الآن وهو على أعتاب الثالثة والثلاثين من عمره 43 ميدالية ذهبية وفضية وبرونزية في بطولات متنوعة، وهو اليوم لا يزال يقبض على زناد بندقية الرماية الأولمبية.

ويستعد بكامل تركيزه وطموحه إلى تحقيق مزيد من الألقاب والميداليات الذهبية والفضية، فمشواره في الإنجازات المحلية والعالمية لا يزال يلمح إلى مزيد من التألق والتميز، كيف لا وهو الشاب الذي استقبل حياته معاقاً فقهر بإعاقته المستحيل.

يقول العرياني إن إعاقته التي باغتته في مرحلة مبكرة من حياته لم تكن تمثل بالنسبة له عائقاً للوصول إلى كثير من الإنجازات التي رسمها في مخيلته مبكراً، فهي كما تقول منحته مزيداً من الثقة لتحقيق ما كان يصبو إليه، وبإعاقته حقق إنجازات عجز عن الوصول إلى بعضها أصحاء كثر..

لذلك فالعرياني اليوم يعيش أمتع أيام شبابه وهو راضٍ تماماً عن كل ما وصل إليه في سنوات قليلة مضت، وهو على ثقة مطلقة أن الأيام المقبلة ستمنحه مزيداً من الإنجازات والبطولات التي يرفع بها اسمه واسم الإمارات عالياً.

مشوار ذهبي في دروب المستحيل

إصابة عبدالله العرياني بمرض شلل الأطفال وهو في السادسة من عمره، لم تكن تمثل بالنسبة له سوى محطة عابرة في حياته الدراسية والعملية والرياضية، ومبكراً أصر العرياني على حمل حقيبته المدرسية والذهاب بها إلى مدرسته حتى تخرج بشهادة الثانوية العامة، ثم تزوج وانتقل بإصراره للعمل في مؤسسات خاصة وحكومية.

المهم في رحلة نجاح العرياني أنه لم يأخذ يوماً بعين الاعتبار أنه شخص معاق، بل تعهد في سره أن يحقق كثيراً من الإنجازات التي بدت للوهلة الأولى ضرباً من المستحيل في نظر أفراد عائلته وأصدقائه، فهو وفي حدود سنوات قليلة تربع على عرش البطولة لألعاب رياضية شاقة، وجال في أكثر من ميدان رياضي مكللاً بالألقاب والميداليات.

أما مبدأه فيتلخص دائماً في البحث عن الصعب والمستحيل، وكلما تراءى له أن درباً ما يتخلله شيء من المستحيل من وجهة نظر الآخرين، فإنه حتماً سيمسي سريعاً أحد نجومه الأبطال، لأن ببساطة يتكئ على شيئين الأول إيمان قوي بأن لا مستحيل أمام العزيمة، والثاني عكازين لازما مشواره البطولي قبل أن يبدأ.

مواقف وإنجازات

ـ حينما بلغ من العمر ستة أعوام وقع عبدالله العرياني أسير مرض شلل الأطفال الذي كاد أن يقعده عن استكمال سلسلة النجاحات التي رسمها في مخيلته لولا إصراره وتحديه للواقع.

ـ عندما بلغ 17 عاماً أصر والده على تزويجه، ومنذ تلك اللحظة بدأت ملامح الحياة ترتسم أمامه، حيث أنهى الثانوية ودخل معترك العمل وسار في درب البطولات، وهو اليوم أب لخمسة أطفال.

ـ في العام 1996 كانت نقطة التحول الأولى في حياة العرياني عندما طرق أبواب نادي العين، وتمرس في رياضات كثيرة منها رمي الجلة ورفع الأثقال وسباقات أخرى، منحته جميعها ميداليات كثيرة.

ـ في العام 2002 نال عبدالله مسمى حكماً دولياً في رياضة الرماية، وهو الذي عشق تلك الرياضة التراثية الأصيلة منذ سنوات مبكرة، وفي العام 2007 خاض عن قناعة مشوار البطولات الأولمبية المتواصل حتى اليوم.

ـ حتى يومنا هذا تمكن العرياني من الظفر بـ 43 ميدالية ذهبية وفضية وبرونزية في كثير من الرياضات التي أقل ما يمكن وصفها أنها شاقة، وهو يؤكد أنه قادر على الظفر بعشرات أخرى خلال الأعوام المقبلة.

ـ بعد مشاركته الأولمبية في العامين 2008 و2009، حظي العرياني بموقف إيجابي كان الدافع لمواصلة حياته البطولية، وذلك حينما استقبله الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، وهو متوج بذهبيتين وفضية لفئة ذوي الاحتياجات الخاصة.

دبي - عنان كتانة