في عصر يوم مشمس في العاصمة الايطالية روما، ووسط طقس بديع وهواء عليل، يظهر طائر السنونو في السماء وكأنه يرسم نقاطا وخطوطا متنوعة.
المسارات التي تشكلها الطيور في السماء تمثل مصدر وحي نموذجي، وتحت ضربات أجنحتها التي لا تتوقف عن الخفق، ب400 أو 500 قدم، يقبع متحف «ماكسي» للفن والعمارة المعاصرين، الذي يتمتع بتصميم فخم، مليء بالتعرجات المتداخلة من المسقاط والفراغات. هذا المتحف هو أحد إبداعات المعمارية البريطانية عراقية الأصل، زها حديد.
يبذل البناؤون في لندن قصارى جهدهم لإنهاء مبنى الألعاب الرياضية المائية المصمم على شكل حيوان «شيطان البحر» المائي، الذي صممته، زها، في موقع بطولة الألعاب الأولمبية للعام 2012، وفي منطقة «بورتلاند بليس».
تستعد لجنة تحكيمية من المعهد الملكي للهندسة المعمارية، للطيران إلى روما لتقرر ما إذا كان تصميم متحف «ماكسي» يستحق الفوز بجائزة «سترلنج» للهندسة المعمارية، للعام 2010.
التي ستعلن في أوائل أكتوبر المقبل، وفي مكاتب المهندسين المعماريين في عموم بريطانيا يطالع المئات من المصممين نسخا عن مجلات «صحيفة المصممين» أو «تصميم المباني»، ليكتشفوا أن زها قد كلفت للتو بتصميم المقر الجديد للمصرف المركزي العراقي.
حولت تجربة زها الفنية، الأشكال الحديثة إلى أنماط مكانية تتسم بالسحر والغموض، وخطوط القوة، التي تشبه مسارا من اللهيب متعدد الألوان. ولكن مكانتها كواحدة من نجوم الطراز الأول من المعماريين تأكدت ليس فقط من خلال تلك الأعمال الناجحة المبكرة.
ولكن من خلال «فشلين» كبيرين، هما تصميمها البارع لمسابقة مبنى «بيك كلب» في هونغ كونغ الذي ذاع صيته لاحقا في العام 1982، وتصميمها لدار أوبرا «كارديف بيي» الذي جاء بعد 11 عاما من ذلك، واعتبر منافسا قويا من قبل مجلس المدينة والمسؤولين البريطانيين.
امرأة حديدية
تقول زها عن هزيمة تصميمها لأوبرا كارديف: لم يستطيعوا أن يتعاملوا معي لأنني امرأة. ولأنني كنت أجنبية. ولكن وحتى بعد حصولها على الجنسية البريطانية، ووسام التقدير، فهي بالكاد ينظر إليها على أنها ناطقة باللغة الانجليزية.
وتضيف في هذا الصدد: أعمالي تطورت تماما، لأنني كنت في بريطانيا، ولأنني كنت بمقياس جمعية المعماريين، حالة بريطانية. سمحوا لي بأن أفعل ما أريد. وشجع الناس أفكاري.
ويبدو أنه كان لزها حديد نصيب من اسمها، حيث ظهرت كامرأة حديدية، يعمل معها فريق من أكثر من 400 موظف في بناء أعمال ضخمة ومشروعات تطوير نوعية، وذلك في الولايات المتحدة وأوروبا والشرق الأقصى.
شغف بالموسيقى والعلم
هناك لدى زها اهتمامات محدودة خارج نطاق عملها، حيث تشرح طبيعتها: أحب الموسيقى بأنواعها المختلفة. وأحب الفنون لأنها ملهمة. ربما لا تكون مرشدا لك في حياتك، لكن الطريقة التي تتأثر بها وتنفعل بها يمكن أن تنطبق على أشياء كثيرة أخرى، سواء كنت محاميا، أو كاتبا، أو أي شيء آخر.
إنه نوع من الخليط لأشياء مختلفة مثيرة للاهتمام بحق. ولاشيء أكثر إثارة لاهتمام زها من المدن. ويشكل التعليم الموضوع الآخر الذي يشغل اهتمام زها. وعنه تقول: إنه في أعلى قائمة أولويات كل الثقافات. وهي تعتقد بأن الدول يجب أن تكون أكثر التزاما بتبني اتجاهات أكثر تقدمية، في ما يتعلق بتصميم المدارس والكليات.
ذكريات وتحديات
لم تعد زها إلى العراق منذ أن غادرته مع ذويها إثر استيلاء حزب البعث على السلطة، وسيكون العمل في العراق الآن تحديا كبيرا لها. وتتذكر ذلك: الضواحي الجميلة والمساكن الحديثة التي باتت مهجورة الآن.
من الصعب أن أعود إلى تلك الأجواء من جديد. لقد مرت 30 عاما. لا تزال هناك ذكريات، من وقت الطفولة. إنه أمر صعب، على المشاعر. أبي وأمي (الراحلان) لم يعودا هناك. منزلنا لا يزال موجودا، ولكنني أخبرت بأنه مراقب بالكامل.
وعندما اتصل بي المصرف المركزي، اعتقدت حقا في ذلك الوقت، أن هناك الكثير من إعادة البناء والإعمار والمباني الاجتماعية التي سنتعامل معها، وليس مجرد مبنى واحد.
إن من أسرع الطرق أمام دولة ما لتحقيق سمعة دولية أن تكلف مصمما معماريا، ذا شهرة عالمية بتصميم مبنى كبير لديها. وتقول زها عن هذا: مسؤولو المصرف فخورون جدا بكوني عراقية الأصل. ويرون أن تصميمي للمصرف المركزي العراقي مسألة رمزية قوية.
إنجازات
زها حديد، معمارية عراقية الأصل، بريطانية الجنسية، ولدت في بغداد في 31 أكتوبر 1950 . وهي ابنة وزير المالية العراقي الأسبق محمد حديد الذي اشتهر بتسيير اقتصاد العراق خلال الفترة من 1958 إلى 1963. وظلت تدرس في بغداد حتى حصولها على الثانوية. كما حصلت على الليسانس في الرياضيات من الجامعة الأميركية في بيروت في العام 1971.
تخرجت حديد عام 1977 فن الجمعية المعمارية بلندن. حصلت على وسام التقدير من ملكة بريطانيا، كما حصلت على شهادات تقديرية من أساطين العمارة، مثل الياباني كانزو تانك،.وجائزة «بريتزكر» المشهورة في مجال التصميم المعماري، وغيرها.
بقلم: جاي ميركو
ترجمة : عصام بيومي
