تؤكد الدراسات الطبية أن الزيادة المستمرة في معدلات الإصابة بأمراض القلب في الدولة قد أصبحت تنذر بكارثة، وستشكل ضغطاً رهيباً على الخدمات العلاجية في حال لم يتم وضع آليات مناسبة وقادرة على التصدي للمشكلة.

ويتوقع الخبراء تضاعف معدلات الإصابة بأمراض القلب والشرايين خلال العقود الثلاثة المقبلة، مستندين على مجموعة من المعطيات، من أبرزها: ارتفاع معدلات السمنة بين طلبة المدارس، وزيادة نسب الإصابة بأمراض الضغط المرتفع والكولسترول والسكري.وتحتل أمراض القلب المرتبة الأولى، على قائمة مسببات الوفاة في الدولة، في الوقت الراهن، حيث تسبب نحو 25% من مجمل الوفيات في الدولة، فيما تشير دراسات إلى أن نسبة الإصابة بأمراض القلب، تصل إلى حوالي 8% بين مواطني الدولة، وهي أعلى من النسب العالمية التي تصل إلى حوالي 5% فقط.:الوجبات السريعة:وحول هذه المعطيات يقول الدكتور وائل المحاميد نائب الرئيس الطبي، استشاري ورئيس قسم القلب في مدينة خليفة الطبية: إن السنوات القليلة الماضية، شهدت تصاعداً ملحوظاً في نسبة الإصابة بأمراض القلب، وهو الأمر الذي يرجع إلى مجموعة متشابكة من العوامل.

يأتي على رأسها اختلاف أنماط التغذية وزيادة الاعتماد على الأطعمة السريعة، والرفاهية الاقتصادية التي ينعم بها المجتمع، وما نجم عنها من الركون إلى حياة الكسل وقلة ممارسة الأنشطة الحركية، وزيادة نسبة البدانة عموماً، وكذلك ارتفاع معدلات التدخين والإصابة بضغط الدم والسكري.

وهناك مجموعة أخرى من المؤشرات ذات الدلالة الخطيرة، منها: أن نسبة المدخنين بين مواطني الدولة، تصل إلى حوالي 25% وتبلغ نسبة البدانة بين طلبة المدارس، نحو 36 % فيما تصل نسبة زيادة الوزن إلى حوالي 24%. كما أظهر مسح شمل عدداً من المسجلين في بطاقة ثقة من مواطني الدولة بأبوظبي، أن نحو 50% من الرجال و26 % من النساء مصابون بارتفاع نسبة الكولسترول غير الحميد في الدم.

معايير عالمية

ويضيف المحاميد أن مدينة خليفة الطبية استقبلت خلال الفترة من يناير حتى نوفمبر العام الماضي 2681 حالة إصابة بأمراض قلب، وبلغت نسبة الذين تم تحويلهم من قبل قسم الطوارئ حوالي 20 % من إجمالي الحالات، مشيراً إلى أن الخدمات العلاجية التي تقدم في الدولة لمرضى القلب.

تتماشى مع المعايير العالمية، وتتفوق على نظيراتها في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، حيث أظهر بحث أجرته جمعية القلب الخليجية على مستوى دول الخليج واليمن، باستثناء السعودية، أن الخدمات في الإمارات.

تعتبر الأكثر جودة في مجالات: القسطرة القلبية، وعلاج الجلطة والنوبة القلبية، ووصف الأدوية الأكثر فاعلية للمرضى، غير أنه ورغم هذا التفوق، مازالت هناك فجوة ما وتتمثل في أن برامج التثقيف الصحي المهتمة بالتوعية بالمشكلة، ومن ثم تغيير أنماط الحياة الخاملة، وتعديل أساليب التغذية، مازالت لا تحظى بالاهتمام المناسب.

ويشير المحاميد إلى أن المؤشرات السابقة تقرع أجراس الخطر، وترجح أن تحدث زيادة طردية كبيرة في أعداد المصابين بأمراض القلب خلال العقدين المقبلين، مما يستدعي وقفة لمراجعة السياسات الصحية الحالية، وتعزيز الوعي الاجتماعي بالسلوكيات التي تكفل درء المخاطر المتوقعة.

محاربة التغذية الخاطئة

ويؤكد الدكتور المحاميد أن الاستراتيجيات الصحية الناجحة، هي التي لا تكتفي بعلاج المشكلة بعد ظهورها، وإنما التي تهتم في الوقت ذاته، بطرح الآليات التي تكفل الحد من تفشيها، وأن التثقيف الصحي يجب أن يضطلع بدوره الريادي والجوهري في هذا المجال.

مشيراً إلى أن الخطوة الأولى يجب أن تركز على محاربة أنماط التغذية الخاطئة، وتوعية ربات المنازل بخطورة الوجبات السريعة على صحة أبنائهن، مع الاهتمام في الوقت ذاته بتعزيز الرياضة وجعلها ثقافة وعادة يومية لكافة أفراد المجتمع.

ويقترح المدير الطبي لمدينة خليفة أن يتم تصميم برنامج تثقيف صحي مكثف، بحيث تشارك فيه كافة مؤسسات الدولة، ويتم وفقاً له عمل مجموعة مكثفة من المحاضرات والندوات الجماهيرية، ويجب لكي يحقق البرنامج أهدافه، أن تضطلع وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية بدورها الريادي في هذا الصدد.

ويقول: في البلدان المتقدمة، تقوم بعض المؤسسات بتخصيص فترة زمنية يومية لكل موظفيها لممارسة الرياضة، وهناك مؤسسات ترفض تعيين موظفين مدخنين على اعتبار أن المدخن شخص غير قادر على الإنتاج كما ينبغي، وعلينا السعي لتطبيق بعض هذه المعايير في مجتمعنا، لأن المشكلة أكبر من أن نغض الطرف عنها.

استدعاء الإسعاف

ويتناول المحاميد قضية أخرى تتعلق بالثقافة العامة في المجتمع، حيث يقول: إن الغالبية العظمى من أفراد المجتمع لا يمتلكون ثقافة استدعاء سيارات الإسعاف لدى شعورهم بالآلام، والمتعارف عليه طبياً أن هناك فترة ذهبية ما بين الشعور بألم النوبة القلبية وبداية التدخل الطبي، وتقدر هذه الفترة بما لا يزيد عن ثلاث ساعات.

وتشير الدراسات أن المرضى في الغرب يهرعون إلى المستشفيات في غضون هذه الفترة، فيما يبلغ المتوسط الزمني لتوجه المصاب بآلام إلى المستشفى في الدولة، إلى ما يزيد عن ست ساعات، وهو الأمر الذي يشكل عبئاً كبيراً على الخدمات العلاجية، ويجعل مساعي الأطباء لتدارك التبعات أو الأعراض الجانبية التي قد تنجم عن الحالة، بالغة الصعوبة.

ويحدد الدكتور المحاميد الأعراض التي يجب في حال شعر بها المريض، أن يسارع إلى التوجه إلى أقرب قسم طوارئ لتلقي العلاج، حيث تختلف الأعراض باختلاف الجنس، فالرجال يشعرون بما يمكن تسميته بالأعراض التقليدية.

وتتمثل في الشعور بوجود قبضة قوية تحكم على الصدر، ووجود تعرق زائد وقيء، وعدم القدرة على التنفس، ووجود هذا الأعراض أو بعضها قد يكون مؤشراً على بداية نوبة قلبية، فيما تختلف الأعراض التي تصيب الناس، وتشتمل على ضيق التنفس والدوار ووخزات في الصدر.

تميز

500 جراحة قلب مفتوح في «خليفة الطبية»

أجريت في مدينة خليفة الطبية 500 جراحة قلب مفتوح خلال العام الماضي، وبلغت نسبة النجاح ما يزيد على 98% وهي واحدة من أعلى معدلات النجاح عالميا.

وقال الدكتور وائل المحاميد نائب الرئيس الطبي، استشاري ورئيس قسم القلب في مدينة خليفة الطبية: إن حوالي 50% من العمليات الجراحية كانت لأطفال يعانون من تشوهات خلقية، وان معدلات النجاح التي تحققت تضع مدينة خليفة ضمن المؤسسات العلاجية الأكثر نجاحاً وتميزا في هذا المجال الطبي الدقيق.

وأضاف أنه أجريت بنجاح خلال العام الماضي جراحة لزرع قلب صناعي لحين الحصول على متبرع، وهي واحدة من الجراحات الدقيقة والنادرة، مشيرا إلى أن مدينة خليفة تضم القسم الوحيد على مستوى الدولة الذي يقدم خدمات تنظيم كهرباء القلب وتركيب الأجهزة التي تحقق ذلك.

وتكشف الدراسات أن متوسط سن الإصابة بالذبحة القلبية في الإمارات يبلغ 50 عاما، مما يعني أن أمراض القلب تتربص بأفراد المجتمع، ممن مازالوا قادرين على العطاء والعمل، فيما يبلغ المتوسط في الدول الغربية نحو 65 عاما.

فحص دوري

قال الدكتور وائل المحاميد ان هناك أعراضا مسبقة قد تؤشر إلى اعتلال القلب وتستدعي ضرورة الفحص، من أبرزها: الشعور بآلام في منتصف الصدر وتمتد إلى الفك والذراعين.

ويضيف أن مسألة الحفاظ على حياة مريض القلب تحسب بالدقائق والثواني، والتطور الكبير الذي شهدته أساليب العلاج قد جعل أمراض القلب من أبسط الأمراض وأكثرها استجابة للعلاج، مشيراً إلى أهمية القيام بالفحص الدوري على القلب بعد تخطي سن الخامسة والثلاثين، على اعتبار أن هذا الإجراء الاحترازي قد يحمي من عواقب لا تحمد عقباها.

أبوظبي- محمد مصطفى موسى