اعتاد البقاء برفقة أبنائه لأوقات طويلة، يشاركهم أحلامهم ورغباتهم وطموحاتهم وحتى ألعابهم؛ وهم جميعاً ينعمون بأريحية من الوقت والجهد في إجازة صيفية مطوَّلة اتسعت للسفر إلى موطنهم الأم والعودة إلى الإمارات في وقت مبكر..

فذلك واقع عايشه علاء الدين عودة، الذي يعمل موظفاً في شركة خاصة بدبي، ويوافق حال آباء وأبناء كثيرين في ظل إجازة المدارس الصيفية ودوام شهر رمضان المخفف وإجازة العيد الممتعة، قبل أن يجدوا أنفسهم على مفرق العودة إلى الالتزام والزحمة والتقيد بمسؤولية إيصال الأبناء إلى المدارس والوصول إلى مكان العمل في توقيت سليم.يقول علاء الدين عودة إنه وعلى الرغم من كونه استمر في عمله دون إجازة خلال شهر رمضان المبارك، إلا أنه كان يتمتع بأريحية نسبية وهو يذهب إلى مكان عمله متأخراً بعض الشيء ودون الوقوع في دوامة أزمة السير التقليدية من الشارقة إلى دبي، مشيراً إلى أنه لم يعد لذلك الواقع أي وجود وقد عاد إلى الدولة مقيمون كثر ممن سافروا في وقت سابق لقضاء الإجازة الصيفية وشهر رمضان المبارك وعيد الفطر في بلدانهم.:آلية التزام:المشكلة في نظر علاء ليست في الالتزام بالعمل أو بتوصيل الأبناء إلى مدارسهم، وقد اعتاد منذ سنوات ماضية فعل ذلك بشكل متواصل من الشارقة وإلى دبي، وإنما يجد المشقة في تعويد نفسه من جديد على آلية التزام لا تخلو من الصعوبة، لا سيما وأنه ظل لأكثر من شهرين مبتعداً عن ذلك الروتين الذي كما يقول يشكل عبئاً كبيراً على كثير من الآباء والأمهات العاملين.

ويؤكد علاء أنه عانى طوال السنوات الماضية جراء توصيل أبنائه منذ الصباح الباكر بعيد أذان الفجر وانتظار عودتهم من المدرسة إلى البيت، ذلك بحكم ارتباطه بعمل ميداني متشعب، وهذا العام ستتولى زوجته مسؤولية عودة الأبناء إلى البيت وقت الظهيرة، حتى يجد لنفسه متسعاً من الوقت والراحة النفسية لأداء عمله الميداني المرهق كما يقول.

مشوار طويل

أما أيوب حبيب، موظف في وزارة التربية والتعليم، وهو أب لطفلين في عمر المدرسة، فيوضح أنه يفكر حالياً في مسألة عودة الأبناء من المدرسة، والسبب أنه انتقل للسكن من الشارقة إلى منطقة البرشاء في دبي، وأصبح المشوار بين المدرسة ومكان السكن طويلاً وشاقاً بالنسبة لزوجته التي كانت في السابق تساعده في جلب الأبناء بحكم وجودها في إمارة الشارقة القريبة من مدرسة الأبناء في منطقة النهدة بدبي.

مشيراً إلى أن فكرة عودة أبنائه عبر الحافلة المدرسية تبدو مستبعدة إلى الآن بحكم بعد المسافة وتعدد مناطق التوقف، بالإضافة إلى المغالاة في أسعار المواصلات المدرسية للكثير من المدارس الخاصة.

ويضيف حبيب أنه وقبل العودة إلى المدارس بأكثر من أسبوع ظل يفكر في مشكلة الاستيقاظ مبكراً وفي زحمة الطرق خلال الفترة الصباحية وفي مهمة إيصال الأبناء إلى المدرسة وعودتهم إلى البيت، وكل تلك المهام ظلت ملغاة من تفكيره طوال الشهرين الماضيين وقد كان الجميع مسترخياً ومستمتعاً بالإجازة الصيفية وبدوام رمضان المخفف وبسلاسة إجازة عيد الفطر المبارك.

ويرى أيوب حبيب أن المشكلة في التزام الآباء بالعمل وبتوصيل الأبناء إلى مدارسهم تبدو بارزة أكثر لدى ساكني إمارتي الشارقة وعجمان نسبياً، وذلك بحكم أن الغالبية منهم يعملون في دبي، وأبناؤهم ينتظمون في مدارس خاصة إما في دبي أو الشارقة.

وبالتالي يتعين على الآباء الاستيقاظ مبكراً أكثر والاستعداد لمواجهة أصعب ظروف الطرق من أجل تأمين وصول أبنائهم إلى مقاعدهم الدراسية في وقت مناسب قبل أن يستعيدون وجهتهم التالية إلى أماكن عملهم للوصول مبكراً وتلافي أي طارئ يتوقع أن يصادفهم، وتلك مهمة شاقة يواجهها الآباء كل يوم ولا بد أنها تجسد بالنسبة لهم أعباءً إضافية كثيرة، خاصة في ظل الزحام الحاصل في الطرقات في الفترة الصباحية.

الخيار الأصعب

في نظر إسماعيل الوديان، وهو معلم في مدرسة حكومية في دبي، فإن المسألة مختلفة، فعلى الرغم من أنه ظل يحلم بالسكن في منطقة محددة من إمارة عجمان وهي قريبة من مكان سكن بعض أصدقائه.

إلا أنه آثر قبول الخيار الأصعب بالابتعاد نسبياً، من أجل الظفر بالإيجابية المرجوة في قرب أبنائه الأربعة من مدرستهم، الذين يصلونها في دقائق قليلة، وبذلك فقد تخلص وزوجته من مأزق الالتزام بتوصيل الأبناء إلى مدارسهم في فترة حرجة، وهي الفترة التي ينبغي عليه أن يكون فيها على رأس عمله بمدرسته في دبي.

ويوضح إسماعيل أن كثيراً من أصدقائه ممن يسكنون في إمارة الشارقة تحديداً يعيشون هذه الأيام حالة من القلق والارتباك وهم يستهلون العام الدراسي الجديد بعد متسع من الإجازة والفكاك من مسؤولية توصيل وعودة الأبناء من مدارسهم.

مشيراً إلى أن خيار توصيل الأبناء إلى مدارسهم لا يزال قائماً لدى العديد من الأسر وفي مختلف إمارات الدولة، لا سيما وأنها مطالبة بتكاليف مادية مبالغ فيها تصل إلى بضعة آلاف من الدراهم للفصل الواحد وذلك مقابل تأمين مواصلات أحد الأبناء، فما بالك بمن لديه أربعة أو خمسة أبناء في عمر المدارس.

وبالنسبة للدكتورة رشا عبدالله المرشدة النفسية في جامعة الشارقة فهي ترى أنه وبعد فترة العودة إلى بيئة العمل التقليدية، فإن الحياة تبدأ تسير بصورتها الرتيبة الجامدة دون الانتقال إلى جوانب إنسانية ونفسية أخرى تتطلبها النفس الإنسانية.

فتتم لدى الفرد عملية المقارنة بين شهور الإجازة التي كان ينعم خلالها براحة واستجمام بعيداً عن ضغوط العمل ومشكلاته، وبين تحقيق أهداف معينة مطلوبة منه خلال جدول زمني محدد، وتبدأ في هذه المرحلة بالتحديد عملية استرجاع الخبرات والمواقف السابقة السعيدة التي عايشها خلال الإجازة فيحزن حتماً على فقدانها.

صعوبة التأقلم مع التزامات ما بعد الإجازة

أكدت المرشدة النفسية الدكتورة رشا عبدالله أن العودة من الإجازة بشكل عام تجسد مشكلة لدى البعض ممن أمضوا فترة طويلة ومريحة مع أسرهم، وتلك الفترة تعتبر بالنسبة لهم متنفساً انفعالياً يتشاركون فيها مع العائلة والأصدقاء الهموم والأحلام والإنجازات.

مشيرة إلى أن البعض ربما يعانون من صعوبة التكيف مع المحيط، خاصة بعد شهر رمضان وعيد الفطر، حيث البقاء لفترة طويلة في حالة من الاسترخاء، فيما قد يستطيع البعض التأقلم مع الوضع الجديد بسهولة ويسر.

وأضافت أن معاناة الأسر ما بعد الإجازة قد تتشكل إذا تزامنت العودة مع وجود مشكلات أسرية ومادية ومسؤوليات تأمين الأبناء في المدارس إضافة إلى مسؤوليات العمل، وفي هذه الحالة فإن مظاهر عدم التكيف تتحدد في شعور الفرد بالقلق والتوتر والخوف واضطرابات النوم.

وقلة الدافعية وفتور في الهمة والدخول أحياناً في مرحلة الاكتئاب، وقد تأخذ أشكال عدم القدرة على التكيف بعد العودة من الأجازة عدة مظاهر منها نفسية وأخرى عضوية إذ أن الحالة الجسدية للفرد مرتبطة لحد كبير بحالته النفسية، وقد ينجم عن ذلك مشكلات وأعراض صحية مختلفة.

احصاء

نصائح عملية

وضعت المرشدة النفسية الدكتورة رشا عبدالله عدداً من النصائح التي من الممكن أن تساعد على اجتياز تلك المرحلة، فيما شددت على ضرورة ألا تأخذ حالة الانتقال من الإجازة إلى العمل والالتزام أبعاداً مرضية في أي حال من الأحوال.

ومن تلك النصائح؛ التواصل مع الأصدقاء والزملاء وتبادل المشاعر الانفعالية وخبرات الإجازة وأحداثها، وعدم البقاء في جو من العزلة لأنها تخلق حواراً سلبياً مع النفس، والتركيز على ممارسة المواقف الحياتية اليومية السارة وتعديل طرق التفاعل الاجتماعي مع الآخرين.

كما شددت على أهمية ممارسة بعض تمارين الاسترخاء، وتمارين التنفس الصحي العميق، إضافة إلى تنمية الحوار الإيجابي، وعدم التركيز على الجوانب السلبية من العمل، وإنما التطلع إلى الإيجابيات كالإنجاز والراتب والتقدير الاجتماعي.

ثم وضع خطة واضحة المعالم للمهام المطلوب تنفيذها ومقابل كل مهمة موعد تقريبي وعلامة توضح إنهائها، بحيث يكون ذلك في صورة جدول بسيط، مشيرة إلى أنه وحينما يرى الفرد ما قد أنجزه حتماً ستتم استثارة الدافعية والحماس لديه من أجل التقدم وإنجاز مهام أكثر.

دبي ـ عنان كتانة