حينما أقرأ كتابا بديعا، قصة كان أو رواية، أتأثر به ويأخذ مني التفكير فيه فترة تمتد إلى أن يقع في يدي كتاب آخر يفوقه حدثا وإبداعاً، ساعتها فقط تخف الشحنة الدرامية التي خلفها الكتاب السابق قليلا، ومن ثم، ادخل في أحداث الكتاب الجديد وهكذا.. إنها جزء من نشوة القراءة. وقد علمت أن هنالك كثيرين مثلي ممن أدركتهم حرفة القراءة، لديهم هذه العادة الصحية.
إلا أن القضية التي أشعر بأنها ليست سليمة هي أن بعض الأحداث يتأثر بها الشخص إلى درجة أن يجد نفسه غارقا فيها إلى حد عميق، ولا ينتبه إلا على سخونة دمعة أو دمعتين سقطتا على غفلة من رجولته، ليعدل بعدها جلسته وينظر يمنة ويسرة للتأكد من خلو المكان وأن أحدا لم يره.
يحدث هذا عند قراءة قصص الحب التاريخية النادرة أو غير العادية والتي لا تشبه من قصص زماننا شيئا. وفي حالة البكاء هذه تتساءل بينك وبين نفسك: على ماذا أبكي؟ هل أبكي على النهاية المأساوية لقصة الحب هذه.. أم الذي أبكاني هو التضحية التي تبادلاها الحبيبان بشكل يفوق احتمال البشر ولم يحصلا في النهاية على وصال منتظر..
أم أن الذي أبكاني هو أنني ورغم تجاربي الناجحة والفاشلة فإنني لم أصادف حبا كالذي انتهيت من قراءته؟ إنها في الحقيقة أسئلة ليست بسيطة لكونها تحتاج إلى جرأة في الطرح وجرأة في البحث عن إجابة لها.
وأخشى ما أخشاه أن أحدنا سيكتشف حقيقة أنه يبكي، بعد كل قصة حب تاريخية، على نفسه لسبب واحد هو أنه لم يمر بالتجربة الصادقة ذاتها والتي انتهى من قراءتها للتو. ويحق السؤال هنا: كيف يبكي الرجل، متخليا عن قسوته وصلابة إرادته وجلده؟
رغم ما قيل لنا مذ كنا أطفالا ان الرجل لا يبكي بل يجب ألا يبكي مهما كان الموقف الذي هو فيه، وان دمعته عصية وعزيزة، رغم أن العلم اثبت أن البكاء حالة إنسانية وصحية تساعد الشخص على استعادة توازنه المفقود بسرعة. لكن من قال إن المحمولات التراثية يمكن أن تؤثر فيها الاكتشافات العلمية؟
ناصر العمري ـ الإمارات