أول ما يطرأ على بال الزائر لماليزيا، هو زيارة غابة أشجار الصمغ. وماليزيا تشتهر بتصدير المطاط الذي يشكل المطاط مادته الأولية.

بترتيب بسيط مع مكتب للسياحة، كنا بعد فترة قصيرة في غابة كثيفة الأشجار الطويلة، جذوعها ليست كبيرة كتلك التي للزيتون، وليست نحيفة كأشجار الحور أو الأرز، بل كانت جذوعها بين هذه وتلك. لكن كيف تستخرج مادة الصمغ؟

يجرح جذع الشجرة بأداة حادة كالسكين، جرحا صغيرا لكنه عميق، ثم يثبت تحته مباشرة وعاء معدني أشبه بكوب الشاي ويربط إلى الجذع كيلا يسقط، لأن وجوده سيستغرق وقتا حتى يمتلئ.. ماذا يحدث بعد هذه العملية شبه الجراحية في الجذع؟

سيقوم الجذع كرد فعل على الجرح بإفراز دمعة، مادة لونها أقرب ما يكون إلى الصفار، تخرج هذه (الدمعة) من الجرح نفسه لتسقط في الوعاء المعدني المعلق أسفله مباشرة، وهكذا تستمر (الدموع) حتى يمتلئ الوعاء عندها يبدل بآخر فارغ وهكذا. قد يجرح جذع الشجرة الواحدة في أكثر من موقع ليمتلئ في هذه الحالة أكثر من وعاء.

تتكرر العملية مع الأشجار كلها في الغابة وهي بالمئات، ولنا أن نتخيل كمية منتوج الصمغ، الذي يجري شحنه بسيارات نقل كبيرة إلى المصانع الماليزية في أكثر من موقع، ليخضع لعدة عمليات بعدها يكون جاهزا ليدخل في صناعة (البلاستيك ؟ الربر) عموماً ومنها إطارات السيارات والأدوات الطبية وقطع غيار معدات وأجهزة عديدة لا تعد ولا تحصى..

وما عليك وأنت تقرأ هذه المعلومة سوى تفقد ما حولك من أدوات ومعدات لتعرف كيف أن مادة (البلاستيك أو الربر) داخلة في كل شيء تقريبا بما فيها ساعة اليد التي تلبسها وربما نظارتك الطبية.

إلى غابة أشجار الصمغ، مررنا في الطريق بمقبرة كبيرة خضراء تحتوي على قبور بالعشرات، مرتبة ترتيبا دقيقا وجميلا، وقد ثبت على كل قبر شاهد حجري يحمل اسم المتوفى وتاريخ وفاته والواقعة التي مات فيها أو أثنائها.

وبنظرة سريعة فاحصة ستعرف أن الموتى هم قتلى حرب ولكن أي حرب؟ سألت أحد السياح الأجانب ممن كانوا معنا، فأجابني الأوروبي أنها كانت إحدى المعارك التي تندرج في قائمة معارك الحرب العالمية الثانية التي توقفت العام 1945. جرنا الحوار مع السائح الأوروبي إلى ما أبغض وأكره.. إلى الأسباب الإيجابية التي أوقفت الحرب العالمية الثانية في منتصف أربعينيات القرن الماضي (وهو موضوع بالنسبة لي مؤلم وأقرب إلى الشعور بحصاة في حذاء).

قال لي السائح إن ضرب اليابان كان أحد العوامل الرئيسية التي أنهت تلك الحرب البغيضة. لم استطع للوهلة الأولى استيعاب قوله، وبعد تفكير أعدت عليه ما قاله لي بغية التأكد، فهز رأسه، وتذكرت ضرب المدينتين (هورشيما وناغازاكي).

فيما كنت ابتعد عنه خطوات باتجاه الباص العائد إلى الفندق طلبا للنجاة من كآبة الذكرى وسوء التداعي إلى الماضي.. المسافر الجيد فنان حياة، هذا ما يجب على الرحالة إثباته.

حسن محمد ـ الإمارات