تحتاج الدراما بصورة عامة والعربية بصورة خاصة، إلى معايير تقنين وتقويم، وتحتاج إلى جملة تعريفات ومفاهيم محمولة على محور علمي واضح يزيل الغشاوة عنها ويبعد اللبس.
وربما تكون الدراما العربية حظيت بالتمحيص الفني عبر كتابات المتابعين من النقاد الفنيين، لكن ربما قليل من التمحيص والمنهجية بقيا بعيداً عن التفعيل الحقيقي لخلق حوار أكاديمي مشاع حول تفاصيل وأسرار صناعة الدراما التلفزيونية، أو وضعها كمنتج فني ثقافي إبداعي وصناعي أيضاً.
الدكتور والإعلامي السعودي المخضرم عبد العزيز بن حمد الحسن، يقدم بحثاً شاملاً في توصيف الدراما، متوجهاً إلى الدراما العربية بالذات، وذلك في كتاب قيم ونادر يقدمه للمكتبة العربية وللقارئ العربي، ولصناع الدراما العرب، تحت عنوان (الدراما التلفزيونية.. أساسيات الإنتاج ومعايير العرض)، ويقع في 399 صفحة، من القطع الكبير.
لغة إبداعية
يتناول الكاتب موضوعة الدراما انطلاقاً من كونها احد ابرز البرامج التي تحظى بالإقبال من أفراد المجتمع، على اختلاف فئاتهم وتنوع مشاربهم، ومن كونها لغة إبداعية قادرة على التأثير وفعل التغيير إذا ما تم إنتاجها بصورة مهنية رفيعة ودقيقة المستوى ومحملة بالمضامين المراد بثها وإطلاقها للمشاهد، حيث تستطيع الدراما (أن تغرس في النفوس صوراً مجسدة يصعب محوها).
ويؤكد الحسن في كتابه المتخصص في الدراما التلفزيونية، على التأثير المفترض لهذا النوع من الدراما والذي حتم على المجتمعات والدول، باختلاف ثقافاتها وأديانها وإيديولوجياتها، وضع معايير تصل إلى حد الصرامة عند البعض، لحماية الأسس الفنية للجودة، وثقافة شعوبها، وصيانة مكتسباتها الفكرية من الذوبان والاضمحلال.
جراء تعرض مواطنيها للغزو الثقافي عبر الدراما التلفزيونية الوافدة وما تحمله من مضامين وأفكار وأنماط للعيش والتفكير، وهذا ما جعل معايير إنتاج وعرض الدراما التلفزيونية تختلف من مجتمع لآخر، لأن مصادرها تأتي من فكر المجتمع ومن تطلعاته الفنية والفكرية والاجتماعية والسياسية.
ففي العالم العربي المتجانس نسبياً توجد معايير متعددة، فاتحاد الإذاعات العربية وجهاز تلفزيون الخليج لكل منهما معاييره، وكذلك الشأن للدول العربية المزودة لسوق الإنتاج الدرامي العربي، مثل مصر وسوريا والكويت وبقية الدول العربية.
ورغم وجود تلك المعايير، كما يشير المؤلف، إلا أنها توصف بالعمومية، ما يضطر المحكمين إلى الاعتماد على أحكامهم الشخصية كمعيار لمستويات الجودة، وهو معيار خاضع للمزاج وبعيد عن المنهجية العلمية.
وفي ذلك إشارة واضحة من صاحب الكتاب إلى واقع التقييم الذي تتعرض له الدراما العربية التلفزيونية، وهو واقع بات يشكل خطراً في إطار فلتان التقييم، ويشكل هدراً للإمكانات والطاقات والإبداعات التي تتجلى هنا وهناك، كالتماعات تبدو وتخبوا دون أن ترى في مجهر الفحص الدقيق.
وبالتالي تضيع أيضاً إبداعات قيمة في فوضى التقييم الشخصاني المزاجي المنفك من عقال منهج البحث كأداة آمنة قادرة على الضبط والربط، وعلى فقدان المعيارية، وهو الذي يؤدي إلى ضعف مستوى الإنتاج الدرامي العربي، والى سيطرة دراما الثقافات الأخرى الغازية.
دراسة استطلاعية تحليلية
يضع الكتاب إشكالات الدراما التلفزيونية على طاولة التشريح مفنداً وعارضاً تفاصيل توليدها وإنتاجها وتسويقها كسلعة إبداعية، والتعامل معها كمؤثر في الشعوب والمجتمعات، ولا يترك الكتاب شيئاً في جوانب العملية، بدءاً من مفاصلها الأولى.
إذ تحضر أيضاً هموم وتفاصيل التقييم، مع بقية الأسس الأخرى: الفكرة الأساس، الموضوع، أسلوب الخطاب، التأليف، التمثيل، التصوير، الترويج والتسويق وأساليب الوصول إلى الجودة، ويستعرض المؤلف في بداية الكتاب خطوات ولادة فن الدراما في التاريخ الإنساني، بدءاً من الطقوس الدينية عند اليونانيين وأنواعها، وصولاً إلى فني التلفزيون والسينما في زمننا الحاضر.
كما يشير إلى قوة تأثير الدراما التلفزيونية باعتبارها تغزو البيوت والمخادع، وتتسلل إلى الوجدان بتأثيراتها التقنية واتكائها على صورة مقربة وواقعية للحوار القائم بين الممثلين، خلافاً لما هو الحال عليه في المسرح مثلاً، الأمر الذي يجعل الدراما التلفزيونية أقوى اختراع بشري قادر على الوصول والتأثير وتشكيل خطورة في مسألة التغيير.
وينطلق الكتاب بعد ذلك إلى أسس الدراسة البحثية التي قام عليها، وهي: الأسس الفنية للأعمال الدرامية، المدارس الفنية لقراءة وتفسير الدراما، الأسس الفكرية لإنتاج الدراما التلفزيونية.
كما يخصص الكتاب جزأه الأخير لنتائج دراسة استطلاعية واستقرائية قام بها الباحث لقياس معايير التقييم وأساليب قياس المعايير المستخلصة، مع مقاربات لنتائج المسابقات التلفزيونية التي تقام في الوطن العربي، والتي تمنح جوائز وتقديرات لأعمال درامية تعرض على الجمهور العربي، من قبل لجنة مختصة، ويتم الاحتفاء بتوزيع نتائجها في كل عام في إحدى الدول العربية، حيث يستند الكاتب إلى نتائج تقييمية مستخلصة من تلك المسابقات.
خطط التطوير والتفاعل
وحول العلاقة بين الدراما العربية وجمهورها العربي، يخلص الكاتب إلى أن جمهور الدراما التلفزيونية في العالم العربي يتميز بكثافته وحرصه على المتابعة أكثر من غيره، نظراً لقلة دور العرض السينمائي الملائمة لجذب الأسرة العربية، ولندرة المسارح المحترفة التي تقدم مسرحيات جيدة تجذب الجمهور.
كما أن هذه الجماهير متفرقة على شكل أفراد وجماعات، وردود افعال أفرادها أثناء العرض غير معروفة لدى القائمين على الإنتاج، كما هو الحال في المسرح والسينما.
ويشير المؤلف أيضاً إلى الأصوات التي تعالت من اجل الرقي بالدراما العربية ووضعها في إطار خدمة المجتمع وتطوير ثقافة أفراده، حيث يذكر أن كثيراً من الدراسات العلمية العربية المتخصصة أوصت بأهمية رفع مستوى الدراما العربية لمواكبة التقدم الفكري للمشاهدين العرب، والاستفادة من المستحدثات التقنية والخبرات العالمية، ووضع خطط ذات استراتيجيات واضحة وممكنة التنفيذ.
ويؤكد المؤلف على أن القائمين على شؤون الإعلام العربي، إذا أرادوا لهذا النوع من أدوات الاتصال الجماهيري المؤثرة، أن يتقدم وينجح من خلال قبوله وجاذبيته للمشاهدين، فلا بد من أن تتبنى الدراما العربية هموم الإنسان العربي، وتنفذ إلى جوهر قضاياه ومشكلاته الأساسية، وان تعنى أكثر بشواغله الحياتية.
المؤلف في سطور
الدكتور عبدالعزيز بن حمد الحسن، حائز شهادة الدكتوراة في الإعلام، ويعمل مديراً عاماً لإذاعة الرياض في المملكة العربية السعودية، وهو مدير عام القناة الأولى.
من مؤلفاته: المسلسلات التلفزيونية المحلية في ميزان المشاهدين والخبراء والمنتجين، من قطاف الخبرة (ديوان شعر)، مجموعة بحوث ودراسات في مجالات الإعلام.. سعيد بن محمد بن مجرن (ديوان شعر).
دبي - مرعي الحليان
