قوارب قديمة، شباك صيد، معالم لعمارات تراثية انسحبت أمام امتداد العمارات العصرية، وأشياء كثيرة أخرى، نقلها الفنانون الإماراتيون إلى لوحاتهم، بعد أن عبرت حدود المكان، لتتجسد من جديد على سطوح أعمالهم الفنية.

إنه الفن الذي يحمل في زواياه، أهداف كثيرة منها إنه يجرد الموجودات من زمن معين، ليحاكي كل الأزمنة القادمة. ويكون شاهدا على ما وجد يوما، في مكان ما فأبواب الفنان عبد القادر الريس ترصد حالة جمالية، قبل أن تعبر عن فكرة الباب، فالباب بشكله الجمالي من الإمارات بكل ما فيه من زخارف نقشت على سطوحه الخشبية.

وكذلك البراجيل التي احتلت مساحات من لوحات الريس، عبرت عن حالة معمارية اشتهرت بها بعض بيوت إمارات الدولة قديما، أما شواطئ الفنان محمد الأستاد، فتحمل مع أمواجها والتواءات شواطئها، شكل الخليج، مما يجعله ناقلا لمكان له خصوصية تميزه عن شواطئ أخرى في مكان آخر.

وحين اتجه بعض الفنانين الإماراتيين إلى التجريد، اعتمدوا في أفكارهم على حكايا شعبية مثل حضور (المهيرة) في لوحات الفنان عبد الرحيم سالم، الذي كثيرا ما عبر عن قصتها التي سكنت مخيلته منذ كان طفلا، إنها تلك المرأة التي لم يرها لكنه يعرف أنها اتهمت بالجنون وماتت حرقا وكان ذلك قبل ميلاده، و المهيرة تصغير مهرة، وتمثل المرأة بالنسبة له من خلال قصة واقعية لعبدة كانت تعمل عند ناس في الشارقة.

ومن شدة جمالها حاول بعضهم أن يتودد إليها بطريقة ما، لكنها كانت ترفض، ويقال إن هناك من عمل لها سحرا، وما إلى ذلك إلى أن كانت نهايتها الجنون. هذه القصة المثيرة أصبحت هاجس عبدالرحيم وعبر عن هذا أكثر من مرة حين قال: هذه المرأة شدني، كما شدت كل الناس، لأنها ماتت بشكل مأساوي حيث حرقت نفسها بالنار.

ومن هنا جاء تجريده تعبيرا عن (المهيرة) التي تعني بالنسبة له المرأة، بكل حالاتها.

أما الفنانة د. نجاة مكي فتتشبع تلك النقوش التي تنسج بها لوحاتها، بحكايا النسوة الزائرات لبيتها عندما كانت صغيرة، أو بجماليات نقوش الحنة التي سكنت مخيلتها وهذا ما يدل على أن الفنان كما يقال دائما أنه ابن بيئته يتشبع بها وبكل مظهر جمالي فيها، فيبدده فنا يتلاءم مع المفاهيم والثقافة التي تسكن في أعماقه.

إلى جانب تأثير المكان أي الجغرافيا، التي تفرض على الفنان حالات متجددة كتجدد الأيام، عن هذا يقول أحد الفلاسفة: لإدراك الجمال نوعان إدراكات خارجية، وأخرى داخلية، الأولى إدراك الأشياء المادية عن طريق الحواس، والثانية إدراك داخلي عن طريق التأمل الذاتي، أو الاستبطان.

وهذا ما يفسر أحيانا اختلاف فنان عن آخر في طريقة تعبيره، ما بين فن واقعي ينقل عبره مفردات المكان بأمانة، وما بين تجريد تتحرر فيه الألوان لتمتزج مع تلك الأفكار العميقة التي اكتسبها الفنان من محيطه.

أبوظبي - عبير يونس