مما لا شك فيه أن دبي أصبحت سوقاً فنية ضخمة في الشرق الأوسط، فمعظم الغاليريهات وصالات العرض في ازدياد مطرد ولعل افتتاح فرع لأوبرا غاليري جديد في مول دبي دليل على ازدهار الفن.

في (الغرفة السوداء) التي تميّز أوبرا غاليري، وهو التقليد الموجود في جميع فروعها في العالم تقريباً، تختزن أغلى اللوحات وأهمها. وأنت تنزل السلالم الحجرية إلى هذه الغرفة، توجد لوحات كبار الرسامين، التي تصل أثمانها إلى ملايين الدولارات، قابعة في هذا الغرفة الهادئة.

حيث تحتوي على جميع أجهزة التكييف البيئية للمحافظة هذه اللوحات من التلف أو الضرر بفعل فرط الحرارة أو البرودة. والمدير المسؤول عن أوبرا غاليري، بيرتراند أيبو، يفتخر بهذه اللوحات التي تميّزه عن بقية الغاليريهات والمعارض الأخرى في دبي.

يقف مدير أوبرا غاليري أمام أربع لوحات شهيرة لرسامين كبار هم: بيكاسو ولوحته (الفرسان)، وأوغست رينوار ولوحته (الدخول إلى القرية)، وهنري ماتيس ولوحته (تخطيط)، والرسام مارك شاغال ولوحته (امرأة)، ويقوم بشرح أهمية هذه اللوحات في صالته الباذخة. كم سعر هذه اللوحات؟ يتردد في الإجابة: لا يمكنني أن أجيب على هذا السؤال بكل صراحة ولكنني أقول إنها بملايين الدولارات.

وهل يمكن بيع هذه اللوحات؟ بطبيعة الحال، إنها معروضة هنا للبيع. ما هو أعلى رقم ثمن للوحة بيعت في أوبرا غاليري؟ يجيب بابتسامة التاجر المنتشي بأرباحه، قائلاً بصوت خافت: مليون دولار.

ثم ينتقل إلى شرح اللوحات، كما لو أنه لا يحبذ الحديث عن لغة الأرقام:

(الدخول إلى القرية) لرينوار، لوحة أساسية فهو الرسام الذي ركز في جميع أعماله على تصوير الضوء والظل، وأسس للانطباعية التي هزّت أركان الفن آنذاك. ويمكن ملاحظة الأشخاص والطبيعة، وهما مجسدان في اللوحة. إضافة إلى هيمنة الشمس المثيرة لعوالم رينوار الحسية.

إنها اللحظة التي خلدها رينوار في لوحته التي تحمل ألوانه، وهو ما يحرك أعماق مقتني لوحاته لما فيها من انفعالات لا تنتهي عند هذه الحدود بل تتعداها إلى خلود أعماله في الزمن.

ثم ينتقل مدير أوبرا غاليري، مشيراً إلى لوحة بيكاسو (الفرسان): لا أقول إنها من أغلى لوحاته ثمناً لأن جميع لوحاته باهظة، فهو ملك السوق والمبيعات بلا منازع في العالم.

والمعروف أن بيكاسو رسم دون كيشوت في لوحات عدة، ولعل ما يلفت الانتباه هنا الطابع الكاريكاتوري الواضح الذي أضفاه الرسام على شخصية الفارس، إذ اكتفى باستخدام ألوان مختصرة، وكالحة، وهو ليس سائداً في لوحات بيكاسو، أليس كذلك؟ ولوحته تتماشى مع عفوية دون كيشوت نفسه، وما تثيره من دهشة تختصر شخصية بطل رواية سرفانتس.

ثم استدار مدير أوبرا غاليري ليقول: انظر إلى لوحة ماتيس، فهي على عكس لوحة بيكاسو، مليئة بالألوان الحية والزاهية، لأنه كان حريصاً على نقل الشعور بالبهجة والتفاؤل في أعماله.. هل يمكن اعتبار التأثيرات الروسية واضحة على لوحته؟

بالتأكيد، بل وحتى تأثير قريته، لأنه فهم المعنى الحقيقي للألوان كما يقول عنه بيكاسو. ولعلنا هنا ننتقل إلى لوحة شاغال (امرأة)، ونستشهد بما قاله: في حياتنا يوجد لون واحد، تماماً مثلماً يوجد على لوحة ألوان الرسام، وهو اللون الذي يعطي حياتنا وفننا معنى، إنه لون الحب).

وفرشاته السحرية أعطت هذا الحب في لوحته المعروضة، فهو لم يستطع رسم لوحاته بعيداً عن خياله وأحلامه وبلده الأصلي، مجسداً هذا الحنين في لوحته التي تكشف عن مقدرة الفنان على اختيار اللون والشكل:

اللون الأزرق، قطعة من البحر استلها شاغال، ألقى بها على معشوقته (المرأة)، لأنها تحمل شمس قريته الروسية التي يبدد فيها غيوم باريس وجوها الرمادي. إضافة إلى لوحات أخرى لفنانين عالميين يزخر بها غاليري أوبرا في أرجاء العالم.

دبي ـ شاكر نوري